أنت هنا: الرئيسية موضوعــات حقوقيــة أبحاث ودراسات و أوراق عمل أوراق عمل ورشة العدالة الانتقالية

أوراق عمل ورشة العدالة الانتقالية


نبذه مختصره
لأهم نصوص مشروع
قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية


إعــداد
وزارة الشئون القانونية

المقدِّمةُ :
السيدات والسادة الحضور
في البداية أحب أن أتقدم بالشكر الجزيل لوزيرة حقوق الإنسان لإقامة هذه الورشة، كما أنتهز الفرصة لأتقدم بالشكر والإحترام للمركز الدولي للعدالة الانتقالية الذي كان له الفضل في رفدي وإمدادي بالمعلومات التي تتعلق بالعدالة الانتقالية.
جاء مشروع قانون العدالة الانتقالية تماشياً مع المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية الموقعتان في 23/11/2011م، حيث نص البند (ح) من الفقرة (21) من الاتفاقية على: "اتخاذ خطوات ترمي إلى تحقيق المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية والتدابير اللازمة لضمان عدم حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الإنساني مستقبلاً".. وعليه فإن مشروع قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية جاء من أجل التوافق الوطني ووضع آليه لتحقيقها بإنشاء هيئه تختص بالنظر في قضايا انتهاكات حقوق الإنسان، لإنهاء حالة الانقسام والصراع القائم بين كافة القوى المشاركة في الحياة السياسية في البلاد وحقناً للدماء التي سالت من أفراد الشعب نتيجة لتلك الانقسامات.
وإقراراً من القوى الوطنية جميعها لضرورة دراسة الأخطاء التي ارتكبت في الماضي ومنها أحداث 2011م، والتي سقط أرتكب خلالها انتهاكات لحقوق الإنسان ولضمان عدم تكرار وقوعها في المستقبل مع تعويض المتضررين التعويض المناسب، لضمان عدم استمرار الصراع بين الطوائف المتنازعة ووقف عمليات الثأر.
والتزاماً لتلك الأطراف للإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومبادئه ومواثيقه بالإضافة لقراري مجلس الأمن رقمي (2014،2051) لسنة 2011م، وإدراكاً من القيادة السياسية في الدولة لضرورة خروج البلاد من عنق الزجاجة.. لذا خرج إلينا مشروع قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وهو مكون من (19) ماده قسمت إلى (4) فصول على النحو الآتي :
الفصل الأول : التسمية والتعاريف والأهداف ونطاق السريان.
الفصل الثاني : هيئة الإنصاف والمصالحة.
الفصل الثالث : تعزيز وحماية حقوق الإنسان.
الفصل الرابع : أحكام ختامية.
وسوف نتطرق لمشروع القانون بشي من التوضيح لأهم ما يتضمنه المشروع، وذلك من خلال المحاور الثلاثة التالية :
المحور الأول : التسمية والتعاريف الواردة في مشروع القانون.
المحور الثاني : هيئة الإنصاف والمصالحة.
المحور الثالث : صدور القانون ونفاذه.

المحور الأول : التسمية والتعاريف الواردة في مشروع القانون
تناول الفصل الأول المسمى والتعاريف والأهداف التي أنشئ من أجلها القانون.
مسمى القانون :
أوضحت المادة رقم (1) بأن أسم القانون هو "قانون العدالة الإنتقاليه و المصالحة الوطنية".
المقاصد والتعاريف :
فسرت المادة رقم (2) الألفاظ والعبارات التي تم ذكرها في هذا القانون، ونجد أنه هناك بعض التعاريف التي لا تحتاج لأي توضيح، وهناك تعاريف أخرى تحتاج لمزيد من الإيضاح وهي على النحو التالي :
العدالة الانتقالية : هي مجموعه من الإجراءات والتدابير القانونيه والقضائية والغير قضائية التي تقوم بتطبيقها الدوله من أجل معالجة ما نتج من انتهاكات جسيمه لحقوق الإنسان .. وتتضمن هذه التدابير الملاحقات القضائيه، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر وأشكال مختلفة ومتنوعة من إصلاح المؤسسات التي مارست تلك الانتهاكات.
الضحايا: هم الأشخاص الذين وقع عليهم الإيذاء سواء كان إيذاء مادياً أو معنوياً بشكل فردي أو جماعي نتيجة أعمال مخالفة للقوانين النافذة أو للمواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان.
جبر الضرر: هي التعويضات العادلة نتيجة للأضرار الذي تعترف الحكومة بحدوثها ووقوعها على الأشخاص، مع أتخاذ الآليات المناسبة نحو معالجة تلك الأضرار التي حدثت .. وغالباً ما تتضمن هذه المبادرات عناصر ماديه (كالتعويضات النقدية أو الخدمات الصحية على سبيل المثال) فضلاً عن التعويضات بشكل معنوي (كالاعتذار العلني أو إحياء يوم الذكرى).
المصالحة الوطنية: هي عملية التوافق والتسامح بين الأطراف والقوى السياسية المتنازعة من أجل رأب الصدع نتيجة الصراعات التي حدثت في ألحقبه الماضية حتى يشعر المواطن بالأمن والأمان في بيته وأسرته، مما يؤدي إلى التأم الجراح بين كافة طوائف المجتمع اليمني.
الفئات الضعيفة: هي الفئات التي تحتاج إلى معامله خاصه ورعاية خدمية ومجتمعيه مميزه من الدوله والمجتمع كأفراد معاً، وهم على سبيل المثال وليس الحصر ذوي الاحتياجات الخاصة والمعاقين والنساء والأطفال والمهمشين وغيرهم.
الإصلاح المؤسسي: ويشمل مؤسسات الدوله على سبيل المثال القوات المسلحة، والشرطة والأجهزة الأمنية والمحاكم التي مارست تلك الانتهاكات، بغية إصلاحها بالوسائل والطرق القانونيه التي تتناسب مع كل مؤسسه على حده، مع التأكيد من عدم تكرار الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان وعدم الإفلات من العقاب.


أهداف القانون:
إن مشروع قانون العدالة الإنتقاليه قد عمل من قام بإعداده لتحقيق أهداف أحتوى عليها القانون، حيث نصت الماده رقم (3) على أن الهدف من إصدار هذا القانون هو تحقيق التالي:
1. إجراء مصالحه وطنيه عامه لغرض النهوض باليمن على أساس الحق في الحقيقة ونبذ أخطاء الماضي وكل أشكال العبث والانتقام والعمل بروح الفريق الواحد لبناء اليمن الجديد وبما يؤدي إلى:
أ. الحفاظ على وحدة اليمن وأمنه واستقراره.
ب. ترسيخ قيام الانتقال الآمن والسلس للسلطة.
ج. ألتزام كافة الأطراف بوقف كل أشكال الانتقام والمتابعة والملاحقة القضائية والقانونية والسياسية.
أن اتخاذ الإجراءات اللازمة لتطبيق العدالة الإنتقاليه بما يضمن تسليط الضوء على تصرفات الأطراف السياسية، التي أدت إلى انتهاكات لحقوق الإنسان مثل: القتل خارج نطاق القانون، الاختفاء ألقسري، التعذيب و المعاملة اللإنسانيه، حجز الحرية، الاغتصاب المنهج، الاعتداء على الأملاك العامه والخاصة والحقوق الوظيفية، وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي خلال الفترة المشمولة بأحكام هذا القانون وضمان جبر الضرر لمن تضرروا من تلك الانتهاكات خلال تلك الفترة أو ورثتهم من أجل إنصافهم والمصالحة معهم، وعلى أن يتم إشراك الضحايا أو ورثتهم في الإجراءات المحققة لجبر الضرر وتجنب أخطاء الماضي.
2. ألمساهمه في تنمية وإثراء ثقافة وسلوك الحوار وإرساء مقومات المصالحة وبناء الدولة المدنية "دولة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان"، ومحو آثار انتهاكات حقوق الإنسان والحيلولة دون تكرارها مستقبلاً.
المستهدفون من القانون والنطاق الزمني للقانون :
إن مشروع القانون يسري على فئات معينه حددتها الماده رقم (4) منه وهو سريان القانون على الضحايا الذين تعرضوا للإيذاء من الجهات والأطراف السياسية المختلفة منذ عام 1990م، حتى نفاذ القانون، كما سمحت للهيئة تلقي الشكاوى لمن انتهكت حقوقهم قبل عام 1990م، ومازالت آثار تلك الانتهاكات باقية حتى صدور هذا القانون.

المحور الثاني : هيئة الإنصاف والمصالحة
تطرق الفصل الثاني من المشروع للهيئة وكيفية عملها
إنشاء هيئه الإنصاف والمصالحة :
أوجبت المادة رقم (5) بإنشاء هيئه مستقله مالياً وإدارياً تتمتع بشخصيه اعتباريه تحت مسمى "هيئة الإنصاف والمصالحة"، تكون مهمتها الرئيسية رأب الصدع وتحقيق المصالحة بين طوائف المجتمع المختلفة وإنصاف المتضررين وتعويضهم التعويض المناسب.
تشكيل أعضاء الهيئة وآلية إصدارها :
أشار البند (أ) أن تتكون الهيئة من أحد عشر عضواً على أن لا تقل مشاركة المرأة عن (30%) من أعضاء الهيئة .. على أن يجب توفر في تشكيل الهيئة الشروط التالية :
أن يكونوا حاصلين على شهاده جامعيه وأن يكونوا من أصحاب الخبرة في اختصاص الهيئة، كما يجب ألا يكون قد صدر ضدهم أي حكم قضائي، وأن يكونوا متمتعين بالأخلاق الحميدة والنزاهة، وأن لا يكونوا قد عمل أحدهم في المجال الأمني في العشر سنوات الأخيرة، وأخيراً أن يكون من ضمن تشكيل الهيئة ثلاثة من تعرضوا للأذى بسبب الصراعات السياسية.
وقد حدد البند (ب) آلية إصدار تشكيل أعضاء الهيئة بقرار جمهوري وذلك في خلال شهر من صدور هذا القانون.
مهام واختصاصات الهيئة :
تضمن مشروع القانون على تحديد مهام واختصاصات الهيئة على النحو التي أوضحته المادة رقم (7) حيث أعطت مهام واختصاصات للهيئة لكي تتمكن من ممارسة الأعمال الموكلة لها، وذلك على النحو التالي :
أ. تلقي الشكاوى والبلاغات التي تقدم إليها مع إعطاء أهمية خاصه للفئات الضعيفة في المجتمع.
ب. الاستماع إلى مقدمي البلاغات في جلسات سريه أو علنيه حسب ما يريده مقدم البلاغ.
ج. صرف التعويضات سواء للشخص الذي تعرض للإيذاء أو لورثته في حالة وفاته، كما يمكن تغطية تكاليف تعليم أبناء الضحايا في حالة ما إذا تقدموا في بلاغهم بذلك.
د. توفير تكاليف علاج المصابين داخل الدوله، على أنه يمكن علاجه في الخارج في حالة عدم توفر العلاج في اليمن.
هـ. القيام بالكشف عن الجرائم التي ارتكبت مخالفاً للقوانين النافذة والاتفاقيات الدولية.
و. التحري عن حالات الاختفاء القسري الذي لم يعرف مصيرهم بناءً على البلاغات المقدمة للهيئة.
ز. معرفة الأسباب التي جعلت مؤسسات الدوله تقوم بانتهاكات حقوق الإنسان، وتقديم المقترحات حول كيفية عدم تكرار حدوث تلك الانتهاكات في المستقبل، وعرض التوصيات على السلطه حول كيفية إصلاح تلك المؤسسات ووضع آليه المسائلة والمراقبة لأداء تلك المؤسسات وبالأخص المؤسسات العسكرية والأمنية بكافة أنواعها.
ح. وضع برامج توعويه تتعلق في كيفية نشر روح المصالحة الوطنية بين كافة المجتمع اليمني.
ط. وضع تصور لكيفية إعادة تأهيل ودمج كل من انتهكت حقوقه وأيضاً رد اعتباره.
ي. قرارات الهيئة تكون ملزمه على الحكومة لصرف التعويضات للضحايا سواء كان التعويض مادياً أو معنوياً.
ك. وضع قواعد خاصه مراعاه لخصوصية الأطفال عند النظر للشكاوى والبلاغات المقدمة منهم وأيضاً عندما يكون الطفل شاهداً للجرائم.
ل. إعادة تأهيل الأطفال دون الثامنة عشر الذين تم تجنيدهم واستغلالهم سواء كان التجنيد من جهات رسميه أو خاصه.
صلاحيات الهيئة :
أعطى مشروع القانون صلاحيات تمكن الهيئة من أداء مهامها وفقاً لما مرت به اليمن من أحداث ومراعاة لوضع اليمن حيث جاءت المادة رقم (8) لتمكن الهيئة من صلاحيات لكي تقوم بدورها الذي أوضحه القانون وهو :
أ. للهيئة الحق في استدعاء من تراه قد يفيد في إظهار الحقيقة عند النظر في البلاغات المقدمة من الضحايا، والمثول أمامها والإفصاح عن كل ما لديه من معلومات، وأيضاً الحصول على الوثائق الرسميه التي تتعلق بتلك الشكاوى، وفي حالة الامتناع يخضعون للمسائلة القانونيه.
ب. للهيئة الحق في الحصول على المعلومات بكافة الوسائل الممكنة.
ج. القيام بالتحريات وتقصي الحقائق لكشف الحقيقة في البلاغات المقدمة.
د. منح الهيئة صلاحيات الضبط القضائي لكي تتمكن من الكشف عن مرتكبي الجرائم.
و. وضع معايير لأجل صرف التعويضات للضحايا على تراعي الهيئة عده معايير ومنها أن يكون التعويض مادياً ومعنوياً أو مادياً فقط لما يتناسب مع كل حاله على حده.
ز. يحق للهيئة تفتيش الأماكن التي وقع بها جرائم الانتهاكات، ومصادرة الأدوات التي استخدمت في تلك الجرائم وذلك بالتنسيق مع الجهات القضائيه المختصة.
ح. القيام بإجراء كافة التحريات والتقصي والتحقيقات التي تراها مناسبه لكشف الحقيقة.
ط. تشكيل اللجان النوعية والمتخصصة لتنفيذ مهامها ولها الحق بالاستعانة بمن يرونه مناسباً من الخبراء.
ي. انتداب موظفين من وحدات الخدمة العامة للعمل ضمن الهيئة، على أن يتم الانتداب من خلال الإعلان والمنافسة بين المتقدمين، وفقاً للمعايير والشروط التي تحقق ذلك كما يحق لها التعاقد مع خبراء محليين وخارجين لأداء بعض المهام لديها بما تقتضيه طبيعة عملها.
ك. وضع برنامج لحماية الشهود والضحايا الذين يتعاونون مع الهيئة، ولها أن تستعين بالحكومة أو أي من أجهزتها عند الحاجه.

المحور الثالث : مدة سريان القانون ونفاذه
تطرق الفصل الرابع: في الأحكام الختامية لمدة سريان القانون ونفاذه
مدة سريان القانون :
أشارت المادة رقم (15) على أن الهيئة يجب عليها أن تنجز المهام الموكلة إليها في مده لا تزيد عن أربعة أعوام، إلا أن القانون قد سمح بعد موافقة مجلس النواب بتمديد عامان أضافيان للهيئة في حالة عدم تمكنها من إنجاز عملها، وقد أوكل القانون مجلس الوزراء وضع آليه لتصفية الهيئة عندما تكمل أعمالها أو تنتهي المده التي حددت للهيئة.
العزل السياسي (الحظر السياسي) :
نصت المادة رقم (16) على أنه يحظر على من يثبت تورطه في أي قضيه تتعلق بانتهاكات في مجال حقوق الإنسان وحصل على حكم قضائي نهائي وبات، فإنه لا يحق له الالتحاق بأي وظيفة عامه أو الترشح في كافة المجالس النيابية أو المحلية.
التوعية بأعمال الهيئة:
ألزمت المادة رقم (17) الهيئة بأن تقوم بوضع خطه لبرامج توعويه بأهمية الهيئة وكيفية عملها وما هي الأهداف التي أنشئت من أجلها، وذلك عبر كافة الوسائل الإعلامية المتاحة .
القواعد والضوابط التنظيمية:
أوضحت المادة رقم (18) على ضرورة قيام الهيئة بإصدار اللوائح المنظمة لها والتي من خلالها يمكن ضبط عمل الهيئة بشكل صحيح.
نفاذ القانون:
ذكرت الماده رقم (19) على أن القانون يصبح نافذاً ويتم العمل به منذ أن ينشر في الجريدة الرسميه.
وفي نهاية حديثي لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر لكم على حسن الاستماع والمتابعة ،،،

كيفية تكوين لجان البحث عن الحقيقة

إعــداد
د. ياسين عبد العليم القباطي


المقدِّمةُ :
عرف العالم في منتصف القرن الماضي تشكيل لجان خاصة بالعدالة الانتقالية وانبثقت عنها لجان الحقيقة أو لجان الحقيقة والمصالحة أو لجان الإنصاف والمصالحة،كانت أمريكا اللاتينية هي المبادرة في ذلك وتلتها أفريقيا وبذلك دخل هذه المفهوم في الفكر السياسي والقانوني والديمقراطي
العدالة الانتقالية هي الاستجابة للانتهاكات الواسعة والمنظمة لحقوق الإنسان لإدراك عمق هذه الانتهاكات التي طالت ضحايا وتطوير آليات الوصول إلى السلام والمصالحة والديمقراطية.
لجان التحقيق هي إحدى آليات العدالة الانتقالية التي ستؤدي بالنتيجة إلى الإصلاح والتعويض الذي سيمر بمراحل البحث والتقصي عن الحقائق وجمع الأدلة والبراهين .
الحق في الحصول على الحقيقة حق أصيل وأساسي لكل ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وفقا للقانون الدولي الإنساني أو لأوليائهم في الحصول على التعويض العادل المناسب والمقبول.
تعريف :
هي لجان تنشأ بموجب قانون ولمدة مؤقتة وتقوم بتحقيقات غير قضائية في فترة قصيرة تجمع خلاها الأقوال وتقوم بتحقيقات وأعمال البحث عن الجرائم التي ارتكبت أثناء فترة النزاع والحكم التسلطي وتقوم بعقد جلسات علنية تجمع فيها الجاني والضحية بهدف حل النزاع عن طريق الاعتراف بالخطأ وإعطاء الحرية الكافية للضحية أو أولياء الدم لمعرفة الحقيقة وللضحايا الحق بالعفو أو طلب محاكمة الجاني.
ولا تعتبر هذه اللجان بديلاً للتحقيق القضائي وضرورة المقاضاة غير إنها تتيح وسيلة لتفسير الماضي بل إن عمل لجان الحقيقة سيعزز عمليات المقاضاة مستقبلاً.
واجباتها :
البحث عن الحقيقة وتحميل المنتسبين المسئولية عن ارتكاب الانتهاكات لتساعد المجتمع على فهم مسببات تلك الانتهاكات وبالتالي الحد منها وتتيح قراءة واعية وموضوعية للماضي ومعرفة الظروف الاجتماعية والتاريخية التي أدت إلى ذلك وبما يساعد على مداواة اثأر تلك الانتهاكات وتحفظ كرامة الناس حتى ولو بعد سنوات وتضمن عدم إفلات المجرمين من الإدانة والعقاب .
ويتم هذا عبر الـ:
1. الاتصال بالألف الضحايا لمعرفة وفهم وقائع الانتهاكات وأساليبها وأسبابها وعواقبها.
2. تبحث عن أسباب الاختفاء القسري كيف حدث ومتى ومن ورائه.
3. تظهر صوت الضحايا وقصصهم للجمهور بعد أن كانت مظالمهم حقائق مخفية بفعل الحكم المتسلط.
4. تعتبر المصالحة جزء من واجبات لجان الحقيقة لإحلال السلام الاجتماعي غير أنه عند ظهور الحقيقة قد يطالب الضحايا بما هو أكبر من المصالحة وقد لا يغفرون لمن جني عليهم، والمصالحة هي جانب من الأعمال المطلوبة ولكن ينبغي عدم إثارة مشاعر الغبن وضياع حقوق الضحايا بسبب المصالحة.
لوازم عملها :
1. إرادة سياسية تسمح وتشجع وتدعم إجراء تحقيق جدي من انتهاكات الماضي.
2. تظهر الحكومة دعمها من خلال توفير الدعم المالي ودفع كل النفقات المطلوبة.
3. توفير الوثائق والسجلات ومحفوظات الدولة للإطلاع والبحث ولعمل أرشيف خاص باللجنة لجمع حقائق حول انتهاكات الماضي.
4. إعطاء توجيهات واضحة للموظفين العموميين للتعاون مع اللجان.
5. توفير الأمن للضحايا وأعضاء اللجان أنفسهم لتمكينهم من جمع المعلومات دون خوف على حياتهم.
أولاً :مبادئ إنشاء اللجان
1. يجب أن يختار المواطنون أنفسهم أعضاء اللجنة عن طريق مشاورات واسعة مع الضحايا بمساعدة خبرات دولية من بلدان قد مرت بنفس التجربة أو من هيئات الأمم المتحدة.
2. يجب أن ينظر إليها بأنها مجرد جانب واحد من جوانب الإستراتيجية الشاملة للعدالة الانتقالية كطريق للمقاضاة والتعويض وفحص السجلات وأشكال المحاسبة وبرامج الإصلاح.
3. لا يجيب استيراد مواصفات اللجان من لجان حقيقية نجحت في بلدان أخرى ولا يوجد نموذج محدد لولاية اللجنة أو طرق تشكيلها.
4. يشترط قبل إنشاء اللجنة أن تلتزم الحكومة بتقديم كل وثائق محفوظاتها سواء كانت سرية أو علنية كما يجب على جميع المسئولين الامتثال لطلب لجنة التحقيق معهم سواء في جلسات علنية أو سرية وعليهم تقديم الحقيقة كاملة غير منقوصة.
5. كما أنه على جميع الجهات الرسمية والشعبية عدم التدخل في أعمال اللجنة وإعطائها الاستقلال التام بدون سيطرة مالية أو إدارية من الحكومة.
6. لإنشاء اللجان يجب أن تتمتع بدعم محلي ودولي مالي ومعنوي وتقديم الوثائق التي قد تكون محفوظة في مقرات وطنية ودولية إذ أن تكاليف لجان الحقيقة قد يصل (5) أو (10) مليون دولار قد لا تستطيع الحكومات المحلية تقديمها.
ثانياً : كيفية أنشاء اللجان
أ. التشاور :
مع مجموعات الضحايا ومنظمات المجتمع المدني وأهمية التشاور حول ولاية اللجنة ويلزم عملية التشاور عقد ورش عمل وحلقات نقاش وفرص جماعية للحوار لاقتراح نقاط خاصة بالتصميم والولاية وتعطى عملية التشاور فرص كاملة قد تصل إلى (6) شهور.
ب. الاختصاصات :
إن ولاية اللجان هي اختصاصاتها وينبغي أن تدرس هذه الاختصاصات وتقر أثناء العملية التشاورية وهي كالتالي :
1. فترة العمل : تحديد تاريخ بداية ونهاية العمل وتتراوح بين سنة ونصف إلى سنتين فإن قصرت فإنها لن تغطي كل الانتهاكات وإن طالت تفقد تركيزها وزخمها.
2. الولاية الزمنية : ينبغي إلا يترك اختيار الولاية الزمنية شعوراً بالتعصب السياسي لفترة معينة ويجب أن تكون الفترة الزمنية متواصلة ولا يجب اختيار فترات متقطعة وقد بلغت فترات الولاية لبعض اللجان (35) عاماً ويجب أن تشمل فترة الولاية تلك الفترة الزمنية التي حدث فيها أكثر الانتهاكات شيوعاً ولا ينبغي أن تحقق اللجان في أحداث وقعت بعد تشكيلها إذ أن تلك الأحداث تترك للجان حقوق الإنسان أو لمكتب المدعي العام.
3. الولاية في أحداث الانتهاكات يجب أن تكون محددة ومفصلة مع وجود مرونة لأعضاء اللجنة للسماح بالتفسير والتجديد، كما لا يجب تقييد ولاية اللجنة باختيار انتهاكات محددة بالفاض واضحة بل يجب استخدام لغة تسمح للجنة بالمرونة وتوسيع مجالات التحقيق مثلاً اختيار عبارات مثل (التحقيق في الانتهاكات الإنسانية الخطيرة التي أثرت على الفرد والأسرة والمجتمع بعيدا عن احترام القانون وحقوق الإنسان"، وهنا ينبغي التركيز على الانتهاكات الأشد خطراً مثل التعذيب والسجن والقتل بدون محاكمة والإبادة الجماعية وتعرف الإبادة الجماعية بأنها قتل أكثر من خمسة أشخاص في حادثة واحدة. ولابد من أدارج الجرائم الاقتصادية وجرائم الفساد في ولاية اللجنة فهي انتهاكات واسعة للحقوق الاجتماعية والاقتصادية. وقد يظهر أثر انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية انتهاكاً أشد خطراً على المجتمع من انتهاكات القمع.
4. الاهتمام الخاص بمجموعات الضحايا الرئيسية : مثل ضحايا حروب إخضاع السكان بالقوة (صعدة – المناطق الوسطى- تعز - الحديدة – الجنوب) العنف ضد النساء والأطفال ضحايا الاعتداء الجنسي.
5. ضحايا الثأر بين القبائل نتيجة للحكم غير الرشيد.
6. الأنشطة الرئيسية : الاستماع إلى أقوال الضحايا في جلسات الاستماع خاصة وعامة وللجنة الحق في إدماج قادة اجتماعيين أو تقليديين في أعمالها.
7. السلطات : تمنح سلطة مقابلة أي شخص سيزودها بمعلومات ذات صلة وتحصل على التعاون من السلطات العامة ولها الحق في زيارة المواقع والسجون ولها سلطة الإحضار والبحث والضبط وحماية الشهود ولها سلطة منح الحصانة من الإحضار للأشخاص الذين قد يضطرون للشهادة ضد أنفسهم لطمأنينتهم بأن المعلومات التي يقدمونها لن تستخدم ضدهم.
8. عدم تمتع اللجان بسلطة العفو والمقاضاة : بل على اللجنة أن توصي في تقريرها النهائي بإجراء تحقيقات قضائية قد تؤدي إلى المحاكمة.
وليس للجان الحقيقة الحق في رفع دعوى ضد أي جاني بل يمكنها تقديم معلومات للمدعي العام حتى أثناء سير تحقيقاتها.
9. أساس الإنشاء تشريعي أو تنفيذي : يعتبر الأساس التشريعي الشعبي أكثر صلاحية غير أن القرار الرئاسي أكثر دعماً وأسرع.
10. تنفيذ التوصيات: التوصيات في تقرير اللجنة النهائي تلزم المجالس التشريعية والحكومة بدعم التنفيذ و التوصيات الصادرة عن اللجنة.

ج. اختيار أعضاء اللجنة من أشخاص :
1- يتمتعون باحترام واسع في المجتمع أو دولياً.
2- مقبولين لدى أطراف الصراع.
3- يشملون نطاق واسع من المهن والخلفيات الدينية والقضاء وعلماء النفس والمربيين والعاملين في مجال حقوق الإنسان وربما خبراء دوليين مع مراعاة الإنسانية وحتى الأطفال. ولا يجب اختيار الأعضاء إلا بعد تحديد ولاية اللجنة. ويجب مقاومة إدخال زعماء الأحزاب والزعماء السياسيين أو فئات المجموعات المسلحة سابقاً ضمن أعضاء اللجنة. ومن الأفضل أن يعمل أعضاء اللجنة متفرغين ولا مانع من إضافة أعضاء لبعض الوقت أسبوع واحد في الشهر مثلاً.
د. الفترة التحضيرية :
لا يجب أن تدخل الفترة التحضيرية ضمن الفترة التشغيلية بل يجب الانتهاء من إجراءات التوظيف واستئجار المقرات ووضع خطة عمل وإعداد الميزانيات وجمع الأموال وجمع الوثائق ... الخ قبل اختيار أعضاء اللجنة وبدء التشغيل وإلا ضاعت فترة تشغيل اللجنة المحددة في فترة إعداد الخطط والتحضير لها.
هـ. التوظيف :
يجب أن يتبع اللجنة موظفين خبراء من حقوق الإنسان ومحققين وخبراء قانونيين وباحثين ومعالجين اجتماعيين وأخصائي حاسوب وموظفين أمن وموظفين أخذ الأموال وجمع الوثائق والبيانات ويتولى عمل اللجنة مديرا تنفيذياً وقد يصل عدد الموظفين التابعين للجنة إلى (500) موظف عند ذروة العمل وأهمهم فريق كتابة التقرير النهائي والتوصيات الختامية ويمكن الاستعانة بموظفين و خبراء دوليين وخبراء الطب الشرعي لاستخراج الجثث ومؤرخين أكاديميين.
ثالثاً : عمليات لجنة الحقيقة
الأنشطة الجوهرية :
1. أخذ الأقوال :
الـمصدر : الضحايا – الشهود – الناجيين من الانتهاكات الماضية أو حتى الجناة أنفسهم.
المكان : مشجع وأمن في مقر أو مقرات اللجنة أو فرق متحركة إلى أماكن النزاع.
الزمن: عدة شهور.
2. قاعدة البيانات : ستتلقى اللجنة كمية ضخمة من البيانات قد تصل إلى (20000) بيان والذي يجب أنشاء قاعدة بيانات لتخزين وتنظيم وتحليل الأقوال التي ترد إليها. ويجب توظيف مدير نظم معلومات ذو خبرة ودراية كاملة بالحاسوب والبرمجة ومحللين وخبراء إدخال وتشفير وتحليل معلومات.
3. الأبحاث والتحقيقات : يتم الجمع بين الأبحاث والتحقيقات ويمكن اختيار بعض الحالات للبحث مثل العنف والقمع والفساد المالي والاقتصادي.
4. جلسات الاستماع العلنية : وخاصة عبر الوسائل الجماهيرية المرئية والمسموعة حيث يحكي الضحايا عن معاناتهم لمنع إنكار الحقيقة وشفافية أعمال اللجنة ولتحفيز المشاركة الوطنية وقد تركز الجلسات العلنية على مشاكل الضحايا الفردية أو على المشاهد الرئيسية للعنف وعلى مؤسسات مثل دور القوات المسلحة والشرطة في جمع المواطنين. ونشر الجلسات العلنية تشجع الجهور على المساعدة في جمع المعلومات ودعم لجنة الحقيقة.
5. التوعية والاتصالات الجماهيرية : يجب على اللجنة أن تقدم شرحاً وافياً للجمهور عن طبيعة عملها وأماكن تواجدها وعناوين مقراتها وتعمل على جذب الجمهور للمشاركة ويمكن نشر بعض الحقائق وجلسات الاستماع لجذب الجمهور مع الاحتفاظ ببعض الأحداث سراً حسب الضرورة حتى إعلان التقرير النهائي لذلك على الموظفين وأعضاء اللجان التوقيع على وثيقة للاحتفاظ بالسرية وعدم الإفشاء حتى يتفق على ما يمكن نشره.
6. التقرير النهائي والتوصيات: التقرير هو تراث اللجنة الدائمة. يجب على اللجنة وضع معالم تقريبية وجدولاً لمحتويات التقرير قبل وضعه حتى تكون التحقيقات ملائمة و موضوعية.. وقد يصدر التقرير النهائي على شكل مجلدات تشمل الآلف الصفحات وفي هذه الحالة ينبغي إصدار ملخص لتوزيعه على نطاق واسع. ويجب أن يشمل التقرير النهائي توصيات اللجنة لمنع التجاوزات في المستقبل ولتعويض الضحايا.
7. تقديم المشورات والخبرات والنصائح حول إصلاح المؤسسات ضمن التقرير النهائي للجان.
1. المعوقات :- قيود الوقت (تعذر التحقيق في الانتهاكات). (يتبع الجزء الثاني) منقول بتصرف من منشورات مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. أدوات سيادة القانون لدول ما بعد الصراع ((لجان الحقيقة)).

العدالة الانتقالية بين المعايير الدولية
وما أخذ به مشروع القانون في اليمن

إعــداد
المحامي/ محمد ناجي علاو



ساد مفهوم العدالة الانتقالية لتميزه عن مفهوم العدالة التقليدية في كون مفهوم العدالة الانتقالية يعنى بالفترات التي تعقب حالة نزاعاً داخلاً مسلحة إلى حالة السلم أو الانتقال من حكم سياسي تسلطي إلى حالة الحكم الديمقراطي أو تحرر من احتلال أجنبي باستعادة أو تأسيس حكم وطني وكل هذه المراحل تواكبها في العادة بعض الإجراءات الإصلاحية الضرورية الانتقالية (الاستثنائية) والسعي لجبر الضرر لضحايا الانتهاكات الخطيرة أي أن مفهوم العدالة الانتقالية هو تكييف للعدالة على النحو الذي يلاءم مجتمعات تخوض مرحلة من التحولات في أعقاب حقبه من تفشي انتهاكات حقوق الإنسان سواء حدثت هذه التحولات فجأة أو على مدى فترات طويلة.
1. من حيث المصطلح :
ظهر مفهوم العدالة الانتقالية في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، إلا أن حضوره تكثف منذ سبعينيات القرن العشرين ، فمنذ ذلك الحين شهد العالم ما يربو عن ثلاثين تجربة للعدالة الانتقالية من أهمها تجارب جنوب أفريقيا وسلفادور وسيراليون وتشيلي والأرجنتين وبيرو ورواندا ودول أخرى.
وفي المنطقة العربية ظهرت في العقد الماضي تجربة المغرب بتشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة عقب وفاة الملك الحسن الخامس وتولي الملك محمد السادس وهي تجربة توفرت لها الإرادة السياسية التي شكلت أرضية للإصلاحات التي خاضها المغرب من داخل السلطة وتمثل فيها عنصر المشروعية لحكم قائم اعترف بالانتهاكات الواسعة التي سادت في عهد أبيه وإن كانت التجربة أيضا كما هو أسمها قد اقتصرت على إصلاحات مؤسسية وتعويض الضحايا.
وفي الفترة التي نعيشها عقب نجاح ثورات الربيع العربي نجد التجربة التونسية في بدايتها كذلك الحال في مشروع قانون العدالة الانتقالية في اليمن.
2. الخلفية التاريخية :
تجارب العدالة الانتقالية :
مرت هذه التجربة تاريخيا بثلاث مراحل :
المرحلة الأولى :
تمثلت بشكل أساسي في محاكمات "نورمبرج" عقب الحرب العالمية الثانية مباشراً وتمحورت خلال هذه المرحلة حول فكرة التجريم والمحاكمات الدولية المترتبة عليها مستندة في عملها على اتفاقية الإبادة الجماعية التي تم إقرارها وإرسائها سوابق لم يعد من الممكن بعدها تبرير انتهاك حقوق الإنسان باسم الاستجابة للأوامر.
المرحلة الثانية :
تلت حكم الدكتاتوريات العسكرية في أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا بعد سقوط نظام الفصل العنصري وسادت في بعض الدول الأفريقية ودول شرق ووسط أوروبا في أعقاب الحرب الباردة بعد أن كان مفهوم العدالة الانتقالية قد ركد خلال فترة تلك الحرب هنا جرى توافق دولي على الحاجة لإجراءات العدالة الانتقالية للتعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان الماضية.
بمعنىً آخر فإن الموجة الثانية للديمقراطية في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات أوجدت زخماً أو حافزاً جديداً للعدالة الانتقالية انتُقل بها من كونها مفهوماً يربط بين المرحلة الانتقالية للتحول الديمقراطي والعدالة كما نشأ في أواخر الأربعينيات إلى فضاءٍ أوسع بحيث أضحى هذا المفهوم يقوم على إعادة تقييم شامل للوصول بمجتمع ما بالمرحلة الانتقالية إلى موقع آخر تُعَدّ الديمقراطية أحد أهدافه الأساسية.
المرحلة الثالثة :
يُعد إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الخاصة في "يوغسلافيا" السابقة ما يمكن أن نسميه المرحلة المتميزة للعدالة الانتقالية إذ أدى تكرار النزاعات إلى تكرر حالات تطبيق العدالة الانتقالية ارتفعت خلالها الأصوات المنادية للحد من مبدأ الحصانة ليصبح الاستثناء وليس القاعدة، في هذه الفترة تم أيضاً إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بـ"راوندا" عام 1994م وكان تتويج مبدأ العدالة الانتقالية بالعام 1998م عند إقرار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بحيث صارت المحاكمات الدولية جزءا من عملية التسوية السلمية من ذلك اتفاقية "أروشا" المتعلقة "ببروندي" واتقاقية "ليناس ماركوسس" الخاصة بساحل العاج وفي هذه المرحلة تتم الإحالة دائما إلى القانون الدولي الإنساني والقانون الدولية لحقوق الإنسان لاسيما مع دخول ميثاق روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية لحيز التنفيذ في عام 2004م وإقرار وجود المحكمة كآلية دائمة لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان وكان هذا الإنجاز أبرز ما أنجزته الإنسانية حتى الآن في مجال حماية حقوق الإنسان ومفاهيم العدالة الانتقالية.
أهداف العدالة الانتقالية :
تشمل أهداف العدالة الانتقالية :
1. وقف الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان.
2. التحقيق في الجرائم الماضية.
3. تحديد المسئولين عن انتهاكات حقوق الإنسان ومعاقبتهم.
4. تعويض الضحايا.
5. منع وقوع الانتهاكات في المستقبل.
6. الحفاظ على السلام الدائم.
7. الترويج للمصالحة الفردية والوطنية.

آليات العدالة الانتقالية :
‌أ- الدعاوى الجنائية :
لتحقيق هذه الأهداف تتبع العديد من الاستراتيجيات بعضها ذي صبغة قضائية وبعضها لا يحمل هذه الصبغة، من ذلك الدعاوى الجنائية وتشمل تحقيقات قضائية ذات طابع محلي أو مختلط أو دولي بحت وذلك مع المسئولين عن ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان وتركز هذه التحقيقات على من يعتقد أنهم يتحملون القدر الأكبر من المسئولية عن الانتهاكات الجسيمة أو المنهجية باعتبار أنها جرائم سياسية تتصل باحتكار السلطة واغتصابها وقمع المعارضين ومنع حرية التعبير والحق في اختيار القيادات السياسية لإدارة الشأن العام، ولذلك تخرج عن توصيفها أعمال جنائية بحتة لافتراضها المسئولية الجنائية لمن يملك سلطة إصدار الأوامر القامعة للحقوق والحريات والمفضية إلى جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية.
‌ب- لجان الحقيقة :
تعمل على كشف الانتهاكات التي وقعت في الماضي القريب وإصدار تقارير وتوصيات بشأن معالجة الانتهاكات والترويج للمصالحة وتعويض الضحايا وإحياء ذكراهم وتقديم مقترحات لمنع تكرار الانتهاكات مستقبلا وهي هيئات غير قضائية.
‌ج- برامج التعويض أو جبر الضرر :
وهذه مبادرات تدعمها الدولة تجبر الأضرار المادية والمعنوية المترتبة على انتهاكات الماضي وهي خليط من التعويضات المادية والرمزية للضحايا تشمل الاعتذارات الرسمية.
‌د- الإصلاح المؤسسي :
وهي الخطوة الأهم في أهداف العدالة الانتقالية باعتبار أنها تركز على إعادة إصلاح وتأهيل مؤسسات العدالة المتمثلة في الجهاز الأمني والمؤسسات الأمنية والشرطية والسلطة القضائية من حيث التشريعات سواء كانت تعديلات دستورية أو تشريعية أو إعادة بناء الكادر البشري الذي يستبعد منه من لم يعد صالحا بالمطلق بأن يكون عضوا في هذه الأجهزة وإعادة التأهيل النفسي والمعرفي والمهني لمنتسبي هذه المؤسسات.
‌ه- تخليد الذكرى :
من ضمن آليات أخرى لجبر الضرر مبدأ تخليد ذكرى ضحايا الانتهاكات وإقامة المتاحف والنصب التذكارية التي تحفظ الذكرى العامة للضحايا وترفع مستوى الوعي الأخلاقي بشأن جرائم الماضي.
الخلاصة : أن هناك شكلين غالبين شكل للعدالة الانتقالية تأخذ بجانب المحاكمة الجنائية على أساس المسئولية السياسية للأشخاص الذين كانوا مسئولين في مركز القرار عن انتهاكات حقوق الإنسان وشكل آخر يأخذ بالعدالة الانتقالية التصالحية فقط دون المحاكمات القضائية، تمثل هذا الشكلين في تجربة العدالة الانتقالية في جنوب إفريقيا وتجربة دولة المغرب العربي وشكل آخر أهم نماذجه العدالة الجنائية في الأرجنتين وتشيلي والذي أخذت بجانبٍ من محاكمة المسئولين السابقين عن الانتهاكات لكن حتى في التجربة الأرجنتينية والتشيلية فإن المحاكمات للجنرالات الذين ارتكبوا جرائم القتل والإخفاء القسري لم تتم إلا بعد نضالات كبيرة من قبل أهالي الضحايا واستقرار الحكم وبعد عشرين سنة من ذهاب حكم الدكتاتور.

فلسفة قانون العدالة الانتقالية في اليمن :
يستهدف مشروع قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية حسب قوله تحقيق السلام عبر مصالحة وطنية والمصالحة الوطنية العادلة والدائمة لا تحقق إلا بحل فعال يقوم على مقتضيات العدل والصفح معا ومقتضيات الصفح تحقق من خلال العفو المتبادل غير التمييزي وأهم مقتضيات العدل معرفة الحقيقة وتعويض الفرد والمجتمع ومنع تكرار الانتهاكات الجسمية في المستقبل.
ومعرفة الحقيقة حسب مشروع قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية اليمني يمثل العامل الأهم من عوامل المصالحة بمعرفة الضحية أو ذووه والمجتمع وقائع الانتهاكات ومن ارتكبها، وما من شك أن لقانون الحصانة "العفو" آثار ضارة بسبب الإفلات من العقاب غير أن قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية سوف يحقق الوقاية من تلك الآثار عبر إقرار الحق في معرفة الحقيقة، الحق في التعويض، والحق في حفظ الذاكرة الجماعية وحق الفرد والمجتمع بالحماية من تكرار مآسي الانتهاكات الجسمية لحقوق الإنسان وحفظ الذاكرة.
إذن فالهدف العام هو الصفح والعدل عبر معايير ثلاثة ورئيسية :
1- تطبيق العدالة الانتقالية التصالحية بشكل شامل ومحايد.
2- التحقيق الشامل والاستماع للضحايا بصورة علنية. أو غير علنية حسب اختيار الضحية والاستماع للشهود.
3- الأخذ بالاعتبار المصلحة الكبرى للنساء والأطفال والفئات الضعيفة في المجتمع.
4- تخليد الذاكرة.
وتمثلت الآلية التي اختارها مشروع القانون في اليمن في المواد (7-11) بقوله:
تتولى تطبيقه وإنفاذه هيئة مستقلة هيئة الإنصاف والمصالحة تتولى بصفة خاصة الكشف عن الحقيقة ويشمل ذلك وقائع الاعتداء على الحياة والتعذيب والإخفاء القسري والتعويض للفرد والمجتمع ماديا ومعنويا وإعادة التأهيل والإدماج والعلاج للضحايا ورد الاعتبار وحفظ الذاكرة الجماعية، كذلك شمل بشكل خاص إصلاح مؤسسات العدالة.
ما يأخذه البعض على مشروع قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية :
يأخذ المركز اليمني للعدالة الانتقالية الذي أسس مؤخراً :
1- إغفاله للمحاكمات والتحقيق القضائي في الجرائم.
2- أنه أخذ بتجزئة مفهوم العدالة الانتقالية وبطريقة انتقائية.
3- أنه يفتقد للمعايير الدولية للعدالة الانتقالية ويعتبر مشروعا خاص لا يمت بصلة للعدالة الانتقالية.
4- أنه كان يجب على من صاغ المشروع "الحكومة" أن يأخذ بمد التحقيق ورفع الدعاوى القضائية لتحقيق تصفية عادلة للحسابات بين الجاني والمجني عليه.
بينما تنصب وجهة نظر المؤتمر الشعبي العام على أن مشروع القانون قد توسع وكان يجب أن يقتصر على مبدأ جبر الضرر أي تعويض الضحايا فقط، وبالتالي يسعون لإسقاط مفاهيم إنشاء لجنة تقصي الحقائق والإصلاح المؤسسي ومبدأ الاعتذار وإحياء الذاكرة، وبين منتقدي المشروع من الجانبين تأتي نصوص المشروع وسطا في ما بينهم، والحال أن القول بأن هناك معايير دولية تحكم مبدأ العدالة الانتقالية أتت على سبيل الحصر والوجوب هو قول من وجهة نظر استقرائية للتطبيقات التي تمت في مختلف دول العالم في هذا الصدد غير دقيق، فنجد جنوب إفريقيا وهي من بين أكثر دول العالم التي مورست فيها أبشع أنواع التنكيل وآليات الفصل العنصري والتمييز ضد السكان الأصليين قد أخذت بمبدأ العدالة الانتقالية التصالحية واستبعدت منهجية المحاكمات القضائية لأركان النظام السابق وهذا الاتجاه يأخذ بمبدأ أن تعريف العدالة الانتقالية هي: استجابة لمعالجة الانتهاكات المنهجية أو الواسعة النطاق بحقوق الإنسان تهدف إلى تحقيق الاعتراف الواجب بما كابده الضحايا من انتهاكات وتعزيز إمكانيات تحقيق السلام والمصالحة الديمقراطية وأن العدالة الانتقالية ليست شكلا خاص من أشكال العدالة بل هي تكييف للعدالة على النحو الذي يلاءم مجتمعات تخوض مرحلة من التحولات في أعقاب حقبة من تفشي انتهاكات حقوق الإنسان، وبالتالي فإن ما أخذت به جنوب إفريقيا كمثال هو شكل من أشكال العدالة الانتقالية يعالج أوضاعها سعيا لبناء المستقبل وعدم الانشغال بالماضي مع جبر ضرر انتهاكات ما تم في حقبة الفصل العنصري.
وكما أشرنا في الفقرات السابقة فإن المنهج المقابل هو ما أخذت به الأرجنتين وتشيلي، وكما قلنا بعد عشرين سنة من إزاحة حكم الدكتاتور ونضالات مستمرة من أسر الضحايا أخذ بمعيار العدالة الانتقالية التي تشمل الدعاوى الجنائية وهي تحقيقات قضائية مع المسئولين عن ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان تلتها محاكمات لمن تبقى من الجنرالات على قيد الحياة صدرت فيها أحكام مخففة بالحبس. وبالتالي فإن قول البعض بأن هناك معايير كلية مغلقة على مفاهيم العدالة الانتقالية تقوم بالأساس على مبدأ الدعاوى الجنائية مع المبادئ الأخرى التي هي محل اتفاق الجميع هو قول يجافي التجربة الإنسانية في هذا المجال، ذلك أن العدالة الجنائية في القانون الدولي الإنساني معيار أعلى إذا تمكن المجتمع من الوصول إليه فذلك هو الأمثل وإذا كان الوصول إليه سيشكل عائقا أمام بناء المستقبل وفتنة تعطل عجلة البناء فأن الأخذ بالعدالة التصالحية أمر مقبول وفقا لحالة كل بلد، ذلك أن العدالة الجنائية في مفهوم العدالة الانتقالية ليست شيئا مطلقا ولكن يجب أن تتم موازنتها بالحاجة إلى السلم والديمقراطية والتمنية العادلة وبناء دولة الحكم الرشيد وسيادة القانون. ولذلك توجد قيود واقعية وعملية تتمثل في عدم قدرة بعض الحكومات على اعتماد إجراءات قضائية خاصة وقد تشمل هذه القيود نقصا في الموارد البشرية والمادية أو نظاما قضائيا ضعيفا أو فاسدا أو سلاما أو انتقالا ديمقراطيا هشا أو نقصا في الأدلة الجنائية أو وجود عدد كبير من مرتكبي الأفعال أو عدد كبير من الضحايا أو عراقيل مختلفة قانونية أو دستورية مثل قوانين العفو ومع ذلك فإن الأمر يخضع لظروف كل بلد ، فكلما تحسنت وضعية أحد البلدان مع مرور الوقت يتوقع من الحكومة التي تليها أن تحاول إصلاح المظالم الناجمة عن القيود السابقة، مثال: حالة الأرجنتين وتشيلي.

في نهاية هذه الورقة نطرح التساؤل التالي :
هل من الأوفق أن يصدق قانون العدالة الانتقالية قبل مؤتمر الحوار الوطني؟ أم أنه يجب أن تقر مبادئ العدالة الانتقالية التي ستأخذ بها اليمن من خلال مؤتمر الحوار الوطني الذي يفترض أن تشارك فيه معظم القوى على الساحة اليمنية سواء أخذت بالمبدأ الشامل للعدالة الانتقالية الذي يتضمن محاكمة القيادات السياسية ومن باشر ارتكاب جرائم ضد حقوق الإنسان ليس فقط في فترة الثورة السلمية بدءا 2007م، في المحافظات الجنوبية وانتهاء بـ2011م، في الثورة السلمية الشاملة في كل أنحاء اليمن بل يشمل فترات الانتهاكات التي تمت قبل ذلك والتي وردت في مشروع القانون بأنها تشمل الفترة من 1990م، وما بعدها وما قبلها من حالات استمرت فيها أضرار انتهاكات حقوق الإنسان وهو أمر على خلاف بين القوى السياسية، كل بحسب الفترة التي غلب عليها ما يدعيه لانتهاكات لحقوق منتسبيه وهي أمور تمت حقيقة ودارت عبر صراعات الانقلابات والحروب الأهلية على السواء في الدولتين الشطريتين قبل الوحدة، الأمر الذي أرجح معه أن مشروع قانون العدالة الانتقالية يجب أن تقر مبادئه من خلال مؤتمر الحوار الوطني وليس من خلال حكومة الوفاق الوطني التي يشكلها فريقين سياسيين مع وجود فرق وحركات سياسية لم تكن شريكا في المبادرة الخليجية وحتى لا يزايد كل على الأخر مزايدات سياسية تؤدي إلى إفشال مشروع العدالة الانتقالية متفق عليه فإن هذه مسئولية وطنية عامة يفترض على اللجنة الفنية للحوار الوطني أن تفرز لها لجنة خاصة ضمن لجان مؤتمر الحوار الوطن ي لتقرر مبادئ العدالة الانتقالية التي يرى اليمانيون أنها هي الأنجع والأصوب والأوفق لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان في الفترة الماضية.

 


دور منظمات المجتمع المدني في العدالة الانتقالية
بـــين الــواقــع والطمــوح
المحور الأول : العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية
ما هي تطلعات الشباب المبنية على تحقق العدالة الانتقالية

إعــداد
أ. شــوقي الميمــوني

للجواب عن السؤال الأول ما هي تطلعات الشباب المبنية على تحقق العدالة الانتقالية يحتاج الجواب إلى كم هائل من المطالب قد لا يتسع المقام لسردها.
ولكن سنتناول أهمها بإيجاز لما كان من المسلم به أن الشباب هم نصف الحاضر وكل المستقبل إذا فهم المعنيون أكثر من غيرهم بتحقق العدالة الانتقالية فبتحققها سيتحقق حلمهم بغد أفضل خال من الشحناء والبغضاء والبحث عن الانتقام والثأر لينعموا بعصر مستقر وليتجه الجيل القادم نحو البناء والسباق على النهل من ينابيع العلم المختلفة ليلحقوا بركب الحضارة الذي تخلفنا عنه كثيراً وكاد قطاره أن يغادرنا أو يفوتنا كما يقال.
فقد عاش اليمن واليمنيون عقوداً مضت على ثقافة زرع الكراهية والبغضاء وتمجيد العنف والبطش والانتصار بالظلم و القهر ووصف الظلمة بالأبطال وحمران العيون، ووصف العقلاء والحضاريين بالمساكين والجبناء وغير ذلك من النعوت المحقرة وتلك الثقافة هي التي أوصلت البلد إلى ما وصلت إليه ولا شك بأنها دروس للأجيال لن تنساها وعليها أن تنهج نهجاً مغايراً لها تماماً وتبذل قصارى جهدها للحد من عودة تلك الثقافة مرة أخرى.
ما هو دور الشباب في تحقق العدالة الانتقالية
إن الدور الحقيقي في تحقيق العدالة الانتقالية هو دور الشباب لماذا؟
أن الشباب هم من عاصر الماسي وهم المنوط بهم التغيير وهم من يدركون حجم المصيبة لو لم تتحقق العدالة الانتقالية لأنها إذا لم تتحقق فستكون القنبلة الموقوتة التي ستهدد مستقبلهم وتحوله إلى جحيم لا سمح الله وستكون كابحاً لأي طموح أو نظرة متفائلة للمستقبل وعليهم تقع مسئولية إنهاء الماضي بكل جروحه وآلامه لا اجتزاؤه اجتزاء وليفتح صفحة جديدة ناصعة البياض قال الشاعر (إذا ما الجرح ضم على فساد تبين فيه إهمال الطبيب).
فمن أوائل مهام الشباب بحكم مواقعهم على كل شبر من الوطن .
1. الكشف عن أماكن الإخفاء القسري للمخفيين قسرياً أو المفقودين والكشف عن مصيرهم والعمل على الإفراج لمن يمكن الإفراج عنهم وتحديد المسئولين عنها والعمل على الحد من ارتكاب المزيد منها.
2. دفع من سبق ارتكابهم لجرائم ضد الإنسانية للاعتراف بها ولطلب الصفح والعفو من الضحايا وإعلان التوبة والندم.
3. السعي لدى الضحايا أو ذويهم أو ورثتهم للجلوس على مائدة التفاوض وصولاً إلى طي صفحة الماضي وإحلال الإخاء بدلاً عن العداوة والمحبة بدلاً عن الكراهية.
4. انتهاج نشر ثقافة الشفافية واحترام حقوق الإنسان والقبول بالآخر ونبذ ثقافة العنف والانتقام.
5. العمل على كشف أي عمل من شأنه أن يؤدي إلى العودة لارتكاب جرائم ضد الإنسانية والسعي لإحباطه وإيقافه عند حده.
6. الوقوف بحزم ضد قضايا الثأر والانتقام خارج حدود القانون.
7. بذل الجهود لإعادة تأهيل المتضررين ودمجهم في المجتمع وإزالة الحواجز التي تمنعهم من ذلك وإشعارهم بقيمتهم وأهميتهم في المجتمع.
8. مراقبة من حصلوا على مزايا المصالحة بأن لا ينهجوا أي نهج من شأنه العودة إلى ارتكاب جرائم ضد الإنسانية مرة أخرى والإبلاغ عن أي سلوك مشبوه أولا بأول.
9. المساهمة في حماية من حصلوا على العفو من أي انتقام يتهددهم والإبلاغ عن أي تحرك إزاء ذلك للحيلولة دون وقوعه.
10. العمل على تخليد ذكرى من تعرضوا لجرائم ضد الإنسانية في ذاكرة المجتمع وتسليط الضوء على قبح تلك الجرائم للحد من ارتكابها مستقبلاً لما للشباب من قدرات إبداعية وعلمية متجددة تتناسب مع تطور تفكير المجتمع وثقافته.

المحور الثاني : قانون العدالة الانتقالية للنوع الاجتماعي
وتطبيقــه علـــى الواقــــع اليمنــي

إعــداد
أ. انتصار الهدالي أ/ جميلة الكمالي

 

يشير مصطلح (نوع الجنس) إلى الاختلافات التي تكونت اجتماعياً بين الرجل والمرأة وما ينجم عنها من علاقات القوة غير المتكافئة بينها، وأيضاً يشير إلى الاختلافات الجسدية والبيولوجية، ومنذُ عقدين من الزمان هذا المصطلح يستخدم بهذا المعنى (النوع الاجتماعي) في وثائق الأمم المتحدة.
لذلك يهتم المركز الدولي للعدالة الانتقالية اهتماماً خاصاً بأثر نوع الجنس في تحديد صورة معاناة الأفراد والجماعات من انتهاكات حقوق الإنسان وكذلك يبحث سبل المساءلة في التصدي لتركات الانتهاكات إلا أن أنماط هذه الانتهاكات وأنساقها هي التي سوف تساعدنا في شق الطريق الموصلة إلى العدالة وإحقاق حقوق الإنسان في المستقبل.
ومع هذا فكثير ما تغفل قضية (نوع الجنس) في آليات العدالة الانتقالية وما أقل لجان الحقيقة التي تناولت هذه المسألة وبصورة وافية ولاسيما تأثير انتهاك حقوق الإنسان على النساء والأقليات الجنسية بوجه خاص، والبحث في الظروف التي تؤدي إلى انتهاكات مرتبطة بالنوع الاجتماعي في العديد من الدول التي طبقت فيها العدالة الانتقالية من خلال إنشاء لجان مصالحة وطنية مثل تشيلي 1990م، والأرجنتين في 1983م، وغانا 2002م.
ففي أثناء الصراعات المسلحة والسياسية تتعرض النساء للتهميش والفقر والمعاناة النفسية والجسدية وتتعرض في بعض الأحيان للاعتقالات والقتل، لذلك فأثر هذه الصراعات يختلف من سياق إلى آخر ومن امرأة إلى أخرى فانتشار العنف يجعل من النساء يقعن ضحية ويدفعن ثمن في شيء لم يكن لهن أي يد فيه بل يقع في بعض الأوقات على كاهلهن الأعباء المترتبة والناتجة عن هذه النزاعات منها تحمل مسؤولية إعالة الأسرة نتيجة فقدانها للعائل في هذه الصراعات في الوقت الذي تتخلى الأطراف المسببة لذلك من تحمل المسئولية فيما سببته من أضرار أو حتى مجرد التعويض.
فعلى سبيل المثال :
في اليمن نجد أنها ومنذُ الستينات وهي تقع تحت طائلة الصراعات والنزاعات السياسية والحروب الأهلية والتي نتج عنها العديد من الضحايا النساء وبأعداد مهولة، فمنهن من تعرضن للقتل والاعتقال والتهميش والإقصاء والظلم، ولم نسمع في أي مرحلة من مراحل الصراع السياسي والمسلح أنه كان هناك أي تعويض للنساء أو حتى أخذت مسألة ما تعرضن له بعين الاعتبار، ولأن المجتمع اليمني مجتمع قبلي لا يسمح للنساء بالتعبير عن الظلم الذي تعرضن له أو حتى يعطي الحق لهن في المطالبة بالتعويض.
لذلك فإن تطبيق قانون العدالة الانتقالية في اليمن وبالذات في "النوع الاجتماعي" لابد أن يأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الاجتماعية اليمنية كونه بلد قبلي (بدرجة إمتياز) برغم كل التكنولوجيا المتطورة التي يتعامل معها الآن، فما زالت القبيلة هي المسيطرة والمرجع الأول للإنسان اليمني وبالذات بما يخص النساء.
لذلك نؤكد على ضرورة وضع مواد قانونية في قانون العدالة الاجتماعية "للنوع الاجتماعي" يلزم الأطراف المعوضة في حالة قبلت بالعدالة الانتقالية في تعويض النساء الذي كن ضحية لهذه الصراعات وأن يكون ذلك عن طريق العمل بالآتي :
1. تشكيل لجان الحقيقة تكون لها إدارة مختصة تمتلك الخبرة في كيفية التعامل مع الواقع الشديد الخصوصية، وتمتلك الصلاحية في صياغة ووضع الاختصاصات وإعداد الإجراءات العملية وإنشاء جلسات الاستماع وكتابة التقارير النهائية وإعداد الدورات التدريبية للجان في كيفية التعامل في مثل هكذا وضع وذلك في كيفية إخراج المعلومة ومنح الثقة والإقناع للضحية ممن تعرضن للانتهاك.
2. لابد أن تكون هناك لجان توعية من الباحثين النفسيين والاجتماعيين والناشطين الحقوقيين في كيفية التصدي لانتهاكات حقوق الإنسان في وضع أفضل الطرق للنساء في الانتفاع بالفرص التي أتاحتها اللجنة.
• تشكيل لجان مناصرة من منظمات مجتمع مدني باعتبارها تضم المتعاونين والمناصرين القادرين على إفادة اللجنة في هذه القضايا بخبراتها، وتؤسس قاعدة تأسيسية في المجتمع لمعالجة ما تكابده النساء من انتهاكات لحقوق الإنسان.
• لابد أن يكون هناك تواصل بين النساء المنتهك حقهن والمنظمات النسائية لضمان الاستمرار في جذب الانتباه إلى مظاهر الإقصاء والتهميش والاعتقالات الذي تعرضن له.
• لابد أن تعين عضوات في اللجنة يتمتعن بالخبرة في قضايا النوع الاجتماعي وتدريبهن على كيفية تقديم المعلومات المتعلقة بحقوق المرأة وتوفير توجيهات إرشادية عن خصوصية القضايا المتعلقة بنوع الاجتماعي والعمل على رفع مستوى الوعي لدى المجني عليهن والشاهدات في الإعداد للأقوال والإدلاء بالشهادة.
• لابد من تخصيص حوالي (10%) من حلقات العمل الخاصة بملامح المجتمع المحلي، (الأحياء السكنية)، وبحيث لا يشترك فيها إلا النساء ومن تلك مثلاً الحوارات مع القاعدة العريضة في المجتمعات المحلية ومنتديات النقاش حول آليات الصراع القائمة على نوع الجنس.
• إشراك النساء في جمع حلقات العمل الأخرى الخاصة بملامح المجتمع المحلي.
• إتاحة الخيار للنساء بالإدلاء بالشهادة في جلسات مغلقة أو إن كانت كل النساء قد أثرن الشهادة العلنية.
• إتاحة الفرصة للشاهدات اصطحاب آخرين معهن في الجلسات ليشدوا من أزرهن.
• توعية من يقومون بتسجيل الأقوال بشأن القضايا الخاصة بالنساء.
• الاشتراك في الجلسات العامة من خلال تعبئة النساء وتقديم شهادات الخبراء.
• تقديم الخبرة في إطار عملية البحث وكتابة التقرير الختامي، بما في ذلك المشاركات في كتابة بعض أجزاء التقارير.
• المتابعة والتقييم المستمرين من قبل اللجنة المختصة بقضايا النساء في كافة الجوانب.
• تبادل التوصيات حول سبل التعويض والإصلاح التي تولي اهتماماً خاصاً لقضايا النساء.
• تحليل حجم العمل الذي تقوم به اللجنة لتحديد القضايا ووضع الإستراتيجية اللازمة لتحريك الدعوى القضايا ضد الجرائم المتعلقة بالنساء.
• المساعدة في نشر تقرير اللجنة بين النساء بما في ذلك المقتطفات التي تركز بشكل خاص على شهادات النساء.
• التحليل النقدي لعمل اللجنة، بما في ذلك التحليلات الواردة في التقرير الختامي لقضايا النوع الاجتماعي، أو التعامل مع شهادات النساء، أو التوصيات الخاصة بسبل التعويض والإصلاح، ونشر هذه التحليلات.
• إعداد تقارير تكميلية تتناول الجوانب التي لم تتناولها اللجنة من تجربة المرأة في الصراع وحقها في سماع صوتها وفي إنصافها.
• إعداد الاستراتيجيات مع الناشطات والباحثات النسويات حول كيفية المشاركة في عمل اللجنة وتنظيم الفرص الناتجة عن إجراءات العدالة الانتقالية.
• الاتصال بالدوائر التي تشجع المرأة على الإدلاء بالأقوال والمشاركات في جهود اللجنة.
• تبادل تحليلات أنماط الإيذاء القائمة على النساء، والظروف التي تهيئ الفرصة لوقوعها وآثارها.
• تبادل تحليلات الإطار القانوني الوطني والدولي الخاص بالأبعاد المختلفة لانتهاكات حقوق الإنسان التي تعاني منها النساء.
• تبادل تحليلات الدروس المستفادة/ المعلومات المقارنة حول كيفية إدراج مسألة النوع الاجتماعي في أنشطة اللجان الأخرى.
• تبادل سجلات التاريخ الشفهي وملفات القضايا الخاصة بشهادات النساء حول انتهاكات حقوق الإنسان.
• الإفادة بالرأي حول تصميم استمارات أخذ الأقوال، ووضع قاعدة البيانات والتخطيط للجلسات العامة واتصال الإعلام بالنساء.
• إيفاد العاملين لأخذ الأقوال وإجراء التحقيقات والبحوث وغيرها من مهام اللجنة.
• هناك خطوات أساسية لإعداد جلسات الاستماع للنساء وهي:
1. تشكيل لجنة لجلسات الاستماع وتعيين منسق لها.
2. التشاور مع التنظيمات النسائية ومنظمات مساعدة الضحايا والدعوة للحقوق طوال مرحلة الإعداد للجلسات في القضايا الموضوعية الجوهرية التي ستتناولها الجلسات وحشد النساء للمشاركة في جلسات الاستماع.
3. تحديد الأهداف والتقرير القضايا والموضوعات المحددة التي ستتناولها كل جلسة من الجلسات.
4. إعداد جدول أعمال وتدبير الأمور المتعلقة بانتقالات المشاركين.
5. اختيار القضايا على أساس تتابع الشهود والموضوعات الأساسية وغيرها من العوامل ذات الصلة.
6. الحصول على موافقة الشهود.
7. توفير الدعم النفسي المناسب للشهود.
8. مساعدة الشهود في إعداد الأقوال وتوقع الأسئلة وغيرها من الاستعدادات العامة.
9. الإعداد لحماية الشهود، وعقد الجلسات المغلقة وما إلى ذلك من التدابير الخاصة بالأمن والخصوصية متى لزم الأمر.
10. تحديد الأشخاص الذي يمكنهم الإدلاء بالشهادة كخبراء.
11. جمع المعلومات الأساسية والمواد المدعمة.
12. المساعدة في إحضار أعضاء اللجنة والعاملين بها بالقضايا الجاري إعدادها للجلسات.
13. وضح إستراتيجية للإعلام والعلاقات العامة.
14. تحديد إجراءات المتابعة التي تتخذ عقب الجلسات داخل اللجنة مع الشهود ومع الإعلام.
15. كتابة التقرير النهائي والذي لابد أن يشمل الآتي:
‌أ. أنماط انتهاك حقوق الإنسان القائمة على النوع الاجتماعي (نوع الانتهاك).
‌ب. تأثير انتهاك حقوق الإنسان الذي يختلف باختلاف نوع الجنس والسياق الأوسع للصراع.
‌ج. القوانين الوطنية والدولية التي تتناول الجرائم ضد المرأة.
‌د. الظروف التي تهيئ الفرصة لجعل المرأة عرضة لانتهاكات حقوق الإنسان.
‌ه. أيديولوجيات الأنوثة والذكورة التي تخللت الصراع في علاقتها بالنزعة الوطنية والعنف.
‌و. ديناميات نوع الجنس الخاصة بالقمع العنصري، وغيره من صور الإقصاء والتهميش الاجتماعي التي يتسم بها الصراع.
- دور الناشطات بصفة فردية وفي إطار التنظيمات النسائية.
- الأبعاد المتعلقة بالنوع الاجتماعي في الصدمة النفسية المضادة.
- القضايا التي ظهرت في جلسات الاستماع العلنية الفردية منها والموضوعية.
- توصيات بشأن سبل التعويضات والإصلاح تتناول الاحتياجات والغايات الخاصة بالنساء.
- تحليل نتائج اللجنة تحليلاً إحصائياً يختلف باختلاف نوع الانتهاك.
- التحديات التي اعترضت اللجنة أثناء تحقيقها في الجرائم التي تعاني منها النساء.
- القيود المرتبطة بالنوع الاجتماعي في عمل اللجنة والنتائج التي خلصت إليها.
بعد ذلك نأتي إلى طرق التعويضات :
تفسير اختصاصات اللجنة مع مراعاة تأثير تعريف الضحايا تأثيراً يختلف باختلاف نوع الجنس في تحديد المستحقين للتعويضات.
- التشاور مع المجني عليهن وشبكات دعم المرأة والدعوة لحقوق المرأة لوضع إجراءات التعويضات.
- اتخاذ خطوات للحيلولة دون تكرر التصورات المنحازة لأحد الجنسين فيما يتعلق بفداحة الانتهاكات المختلفة لحقوق الإنسان عند وضع معايير الاستحقاق أو تحديد مقدار التعويض الممنوح لضحايا الانتهاكات المختلفة.
- إعداد برامج للتعويضات تقر بالمجالات التي تكون المرأة أشد ضعفاً فيها وتعالجها، مثل انتهاكات حقوق الإنسان المتعلقة بالنزوح والعنف الجسدي والنفسي والرعاية الصحية إلى جانب الآثار الثانوية للصراع المتعلقة بمجالات بعينها مثل التعليم.
- إعداد التدابير الخاصة بالتعويضات للمساح بتوسيع نطاق النساء اللاتي كن ضحايا للصراع، حتى ولو لم تنطبق عليهن المواصفات بالمعنى الدقيق الواردة في التعريف القانوني للضحية (في بعض الحالات قد يأخذ ذلك صورة العمل على معالجة أوجه القصور في تعريف "الضحية) في شأن اختصاصات اللجنة.
- دراسة برامج للتعويضات تتبنى معايير قائمة على الاحتياجات لوضع مقياس للتعويض.
- وضع تعريفات شاملة لأنواع الانتهاكات ,ووضع توجيهات إرشادية بخصوص الأدلة المطلوبة طبقاً لأخر التطورات في القانون الدولي.
- استكمال التعويضات الفردية بتدابير جماعية تراعي الأنماط المنهجية والجماعية والانتهاك حقوق النساء.
- الإقرار بأن انتهاكات حقوق الإنسان كثير ما تفرض أعباء أسرية على المرأة وأن برامج التعويضات يجب أن تعمل على توفير قدر من التعويض عن هذه الأعباء، وهو ما يعني في بعض الحالات تعريف من تعولهم المرأة من يسمون (الضحايا الثانوية) باعتبارهم مستحقين للتعويض بنفس القدر.
- الإعداد لوضع قوائم مفتوحة لإتاحة الوقت للضحايا اللاتي لم يذهبن إلى اللجنة لتقديم أقوالهن وإثبات استحقاقهن للتعويض.
- النظر في تدابير للتعويضات بحيث تراعي ديناميات السلطة المتعلقة بالحقوق والمنح الخاصة بالعقارات.
- وضع تدابير للتعويضات بحيث تراعي ديناميات السلطة بتحكم أحد الجنسين في اتخاذ القرارات المالية على المستوى الأسري ففي بعض الحالات مثلاً روعي وجود للتعويض عن طريق الانتفاع بالخدمات الصحية أو التعليمية أو غيرها من الخدمات التي تمثل أولوية بالنسبة للمرأة متى كان الرجل يتحكم في المالية المقدمة للأسرة.
- النص على تحديد أعلى تعويضات رمزية اعترفاً بأن انتهاك حقوق المرأة كثير ما يكون، وأن صوت المرأة كثير ما يكمم وهكذا فإن الإقرار علناً بالانتهاكات التي تتم خفية له أهمية في هذا الصدد.
- اتخاذ خطوات لضمان أن تتناول التعويضات الآثار طويلة الأجل من الصراع لمعالجة استمرار انتهاك حقوق الإنسان من وقت الحرب إلى وقت السلم.
- نشر معلومات حول برامج التعويضات لكافة النساء والفئات المهمشة اجتماعياً لتستفيد منها.
- جعل التكافؤ بين الجنسين مبدأ عاماً في التنفيذ (بما في ذلك النص على المساواة بين الجنسين في مبلغ التعويض).


المراجــــــــع :
1. سلسلة العدالة من المنظور نوع الجنس، المركز الدولي للعدالة الانتقالية.
- بين باري (النهوض للاستجابة، الدعوة لحقوق المرأة في خضم الصراع صندوق العمل من أجل المرأة 2005م).
- وثائق الأمم المتحدة الموجودة في الموقع.
- www.ytech.ni/iccwom/wigdraft Arcbi.
- Res/old wcgj/resources/gehden.htm.

دور سلطـات الـدولـة
في تطبيـق العـدالـة الانتقـاليـة

إعــداد
د. حميد محمد علي اللهبي

تمهيد :
ظهرت العدالة الانتقالية مصاحبة لظهور القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وظهرت العدالة الانتقالية كمصطلح سياسي وقانوني لمعالجة آثار انتهاكات حقوق الإنسان التي تحدث أثناء وبعد الحروب والصراعات السياسية المسلحة وغير المسلحة, بما يفضي إلى إنصاف الضحايا وضمان عدم تكرار تلك الانتهاكات في المستقبل, وصولا إلى تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة وتحقيق الأمن والسلام والوئام والتعايش السلمي في المجتمع.
ومن أجل حماية حقوق الإنسان ظهرت العدالة الانتقالية, صحيح أنها لا تستطيع بإجراءاتها أن تمنع أو على الأقل تحد من الصراعات والحروب والنزاعات السياسية المسلحة وغير المسلحة التي تمارس خلالها أبشع صور انتهاكات حقوق الإنسان, إلا أنها تعمل على معالجة آثار الانتهاكات ومنع حدوثها في المستقبل وفرض إجراءات وعقوبات صارمة على المنتهكين, وهو ما يفضي إلا ردع للأطراف المتصارعة يجعلها تحجم عن ممارسة تلك الانتهاكات مستقبلا, أو على أقل تقدير لا تتعمد ارتكابها.
وباعتبار أن العدالة الانتقالية مصطلح جديد ظهر حديثا خاصة في الدول العربية, فقد أثارت جدلً واسعاً حول مفهومها وأهدافها والقضايا التي تعالجها. ولذا فقد رأينا أن نبلور الفكرة عن مفهوم العدالة الانتقالية وتوضيحه وإزالة اللبس حوله, ليمكن الاستفادة من مميزات العدالة الانتقالية وتطبيقها في الواقع بشكل مثالي.
ولكي لا يكون هناك مجالا لتضارب واختلاف الآراء حول مفهوم العدالة الانتقالية, فقد رأينا أن نبينه من خلال المفهوم الذي تتبناه منظمة الأمم المتحدة. وتبقى مسألة وضع تعريف محدد للعدالة الانتقالية قابلة للاجتهاد من خلال ذلك المفهوم الذي ارتضاه المجتمع الدولي.
وهنا سنتناول في هذه الورقة أولا: مفهوم العدالة الانتقالية وتعريفها. وثانيا: نتحدث عن العدالة الانتقالية والإصلاح المؤسسي والقانوني. وثالثا: نتحدث عن تطبيق العدالة الانتقالية ومعوقات تطبيقها. ورابعا: نتحدث عن تطبيق العدالة الانتقالية ومعوقات تطبيقها في اليمن.
أولاً : مفهوم وتعريف العدالة الانتقالية
سنتحدث في بند مستقل عن مفهوم العدالة الانتقالية, ونورد مفهومها حسب وثائق الأمم المتحدة. وفي بند آخر, نعرفها من خلال مفهومها الذي أرسته منظمة الأمم المتحدة رغم أن العدالة الانتقالية حتى اليوم ليس لها تعريف موحد جامع مانع متفق عليه.
1. مفهوم العدالة الانتقالية :
الهدف الرئيس للعدالة الانتقالية هو حماية حقوق الإنسان, وحقوق الإنسان محكومة بثلاث محددات: الإنسان, السياسة، القانون, وبالتالي, فإن مفهوم العدالة الانتقالية ينطلق من طبيعة تلك المحددات ذاتها, كما أن تحديد طبيعة تلك المحددات لم يعد أمرا متروكا لتقدير الفقهاء والساسة والباحثين, فقد أصبح تحديد طبيعتها محكوم بمنظومة القانون الدولي في إطار منظمة الأمم المتحدة.
بعبارة أخرى, أصبحت طبيعة حقوق الإنسان محكومة بالمعايير الدولية في إطار منظومة القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني, وصارت السياسة محكومة بمبادئ وقواعد الديمقراطية وأسس الدولة المدنية وفقا للمعايير الدولية التي تتبناها منظمة الأمم المتحدة, وأضحت الأنظمة والتشريعات القانونية الوطنية محكومة أيضا بمعايير وضوابط دولية وفقا للدستور العالمي المتمثل في القانون الدولي, الذي لم يعد هناك مجالا للتملص منه أو مخالفته، بل تعد مخالفة القوانين الوطنية لمنظومة القانون الدولي من الأفعال التي توقع الدولة المعنية في إطار المسئولية الدولية.
إذن، وفقا لما تقدم, يمكن القول أن مفهوم العدالة الانتقالية هو أيضا أصبح محكوما بقواعد القانون الدولي التي أرستها الأمم المتحدة, وبالتالي أصبح مستبعدا تحديد وتطبيق مفهوم العدالة الانتقالية بمعزل عن تلك القواعد, أو وفقا لاجتهادات سياسية تتماشى مع هذا النظام أو ذاك, أو مع رغبات أو مصالح جماعة أو طائفة أو قومية أودين.
وهنا يمكن القول أيضا, أن العدالة الانتقالية أصبحت مبدأً ونهجا عالميا, أما أدوات وآليات تنفيذها فوطنية محلية, تحكمها الظروف التي تمر بها كل دولة وظروف وملابسات فترة التحول أو الانتقال ذاتها في كل دولة على حدة, فالمرحلة الانتقالية - على سبيل المثال- بعد حرب دولة مع أخرى تختلف عن مرحلة انتقالية ناتجة عن صراع مسلح داخلي وعن حالة مرحلة انتقالية ناتجة عن صراع سياسي غير مسلح.
وهو ما أكد عليه تقرير الأمين العام للأمم المتحدة المرفوع إلى مجلس الأمن في 23 أغسطس 2004م، الذي جاء فيه : " إن مفاهيم مثل”العدالة“و”سيادة القانون“و”العدالة الانتقالية“هي مفاهيم ضرورية لفهم الجهود التي يبذلها اﻟﻤﺠتمع الدولي لتعزيز حقوق الإنسان، وحماية الأشخاص من الخوف والعوز، وتسوية منازعات الملكية، وتشجيع التنمية الاقتصادية، وتعزيز الحكم الخاضع للمساءلة، وتسوية الصراعات بالوسائل السلمية وهذه المفاهيم تعيننا على تعيين أهدافنا وتحديد السبل التي نتبعها من أجل تحقيقها. غير أن هناك تعددا في التعاريف وصور فهم هذه المفاهيم، حتى بين أقرب شركائنا في الميدان فعلى مستوى العمليات، هناك بالنسبة للبعض قدر غير قليل من التداخل مع مفاهيم أخرى ذات صلة، مثل إصلاح القطاع الأمني وإصلاح القطاع القضائي وإصلاح شؤون الحكم, ولكي يمكننا العمل معا على نحو فعال في هذا الميدان، لا بد من وجود فهم موحد للمفاهيم الأساسية".
ويضيف التقرير القول: "ويشمل مفهوم”العدالة الانتقالية“ الذي يتناوله هذا التقرير كامل نطاق العمليات والآليات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها اﻟﻤﺠتمع لتفهم تركة من تجاوزات الماضي الواسعة النطاق بغية كفالة المساءلة وإقامة العدالة وتحقيق المصالحة وقد تشمل هذه الآليات القضائية وغير القضائية على السواء، مع تفاوت مستويات المشاركة الدولية أو عدم وجودها مطلقا ومحاكمات الأفراد، والتعويض، وتقصي الحقائق، والإصلاح الدستوري، وفحص السجل الشخصي للكشف عن التجاوزات، والفصل أو اقترانهما معا" .

2. تعريف العدالة الانتقالية:
إذا كان المجتمع الدولي لم يتفق بعد على تعريف موحد جامع مانع للعدالة الانتقالية، فهذا يعني أن المجال متروك لمحاولة تعريفها في إطار المبادئ والمفاهيم الحاكمة لها وفقا لما حددته منظمة الأمم المتحدة, وبالتالي يمكن أن نعرف العدالة الانتقالية بأنها: " مجموعة الإجراءات والإصلاحات القانونية القضائية وغير القضائية التي تتخذها الدولة والمجتمع لتطبيق سيادة القانون والمساءلة وإقامة العدل وتعويض الضحايا وإجراء التصالح والتسامح وتحقيق الأمن والسكينة وإشاعة السلام في المجتمع" .
ثانياً : العدالة الانتقالية والإصلاح المؤسسي والقانوني
الإصلاح المؤسسي والقانوني لمؤسسات الدولة وأجهزتها ذات العلاقة بحقوق الإنسان وللمنظومة القانونية في الدولة يعد هدفا من أهداف العدالة الانتقالية, ذلك أن مجتمعات الصراع وما بعد الصراع ليس لديها الوعي القانوني الكافي ولا تحترم القانون ولا تطبق سيادة القانون, بل, وليس لديها المنظومات القانونية الكافية التي تحمي وتصون حقوق الإنسان من الانتهاك, وإن وجدت تلك القوانين فإن الوعي القانوني وانعدام ممارسة احترام حقوق الإنسان في تلك المجتمعات يجعلها على مستوى الحكومات أو الأفراد لا تحترم تلك القوانين ولا تطبقها.
كما أن مؤسسات الدولة في تلك المجتمعات المتعلقة بالتعامل مع الإنسان, كأجهزة الشرطة والأجهزة الأمنية الاستخباراتية بل والقوات المسلحة, والمحاكم والنيابة العامة وجهات البحث والتحقيق وغيرها من الأجهزة, كلها أجهزة يتم تنشئتها وتربية القائمين عليها للتعامل مع الإنسان(المواطن)تعاملا لا يليق به كإنسان ولا يتفق مع حقوق المواطنة التي يحتمها على الدولة انتماء الإنسان إلى الوطن. وبسبب تلك التنشئة والتربية الخاطئة للقائمين على تلك الأجهزة والمؤسسات تتحول من أن أجهزة ومؤسسات خادمة للإنسان المواطن لتصبح قاهرة له ومستعبدة له.
وبالتالي, فبمجرد أن يثور نزاع هنا أو هناك أو يتفجر صراع في تلك المجتمعات نجد أطراف الصراع في تلك المجتمعات لا تتورع لحظة عن استخدام تلك المؤسسات والأجهزة لقهر ذلك الإنسان وانتهاك حقوقه دون وازع أو رادع وتمارس عليه أشكال وصنوف شتى من الانتهاكات الإنسانية, ولا هم للأطراف المتصارعة سوى أن يقهر بعضهم الآخر وأن يتغلب بعضهم على بعض غير أبهين بما يحدث من كوارث وانتهاكات وخراب ودمار وسفك للدماء في مجتمعاتهم.
ولذا, فإن من أهداف العدالة الانتقالية هو مساعدة تلك المجتمعات على إصلاح منظومتها القانونية بما يتوافق مع القانون الدولي, وأول عمليات الإصلاح القانونية تبدأ من إصلاح الدستور ذاته, بتضمينه نصوصا واضحة وصريحة تعزز من حماية حقوق الإنسان وتلزم مؤسسات الدولة بضرورة احترامه وحمايتها. كما أن محاسبة ومعاقبة منتهكي حقوق الإنسان يوفر رادعا وزاجرا للمنتهكين على ما اقترفوه, وفي الوقت ذاته رادع للقائمين على تلك الأجهزة والمؤسسات يجعلهم يعيدون التفكير في تعاملهم مع ذلك الإنسان بما يؤدي إلى احترام إنسانيته وحماية وصون حقوقه.
كما تعمل العدالة الانتقالية على مساعدة تلك المجتمعات في إصلاح مؤسسات وأجهزة الدولة ذات الصلة بحقوق الإنسان للتعامل مع الإنسان معاملة لائقة, ولعدم تكرار حدوث انتهاك لحقوق الإنسان في المستقبل. وفي هذا الصدد يتم الإصلاح المؤسسي وفقا لمدونات دولية تسمى "مدونات السلوك الدولي" مهمتها تنظيم وتحديد شكل العلاقة بين بعض الأجهزة والمؤسسات في الدولة وبين مواطنيها وتوضح كيفية تعامل القائمين على إنفاذ وتطبيق القانون مع الإنسان المواطن, وكذا يظل عمل تلك المؤسسات والأجهزة تحت الرقابة المستمرة لعدم انحرافها عن القانون, وتضمين مفاهيم حقوق الإنسان في بعض المقررات الدراسية في تلك المؤسسات, إضافة إلى إقامة الدورات التدريبية والتوعوية المستمرة للقائمين على تلك المؤسسات والأجهزة لتعريفهم بحقوق الإنسان ومفاهيمها واحترامها وكيفية التعامل معها, والأهم من ذلك كله هو ضرورة وضع النصوص القانونية التي تحاسب وتعاقب بصرامة القائمين على تلك المؤسسات والأجهزة في حال تعديهم أو تجاوزهم للصلاحيات المخولة لهم أو تعسفهم في استعمال القانون, أو انتهاكهم لأي حق من حقوق الإنسان أثناء تأديتهم لأعمالهم الموكلة إليهم.
ومن الإجراءات التي يمكن اتخاذها لعملية الإصلاح المؤسسي والقانوني :
1. وضع النصوص القانونية التي تعزز حماية حقوق الإنسان وتحاسب وتعاقب على الانتهاكات التي يرتكبها القائمين على تنفيذ القانون في الأجهزة العسكرية والأمنية والشرطية والقضائية وغيرها من الأجهزة, وتضمين تلك النصوص أولا في الدستور ثم في القوانين.
2. تعزيز استقلال وفاعلية القضاء, وتمكين ضحايا الانتهاكات من اللجوء إليه بسهولة, وأن يكون لقضايا حقوق الإنسان اهتمام خاص يكفل السرعة في البت في تلك القضايا وسرعة تنفيذ الأحكام الصادرة بشأنها.
3. مراجعة المنظومة القانونية وموائمتها مع قواعد القانون الدولي والوثائق الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان.
4. لا يكفي أن ينص القانون على تجريم انتهاكات حقوق الإنسان, بل يلزم أن ينص أيضا على عقوبات على كل فعل من الأفعال التي تعد انتهاكا لحقوق الإنسان, ومعاقبة منتهكيها دون تمييز لأي سبب كان.
5. إيجاد رقابة مدنية وشعبية فعالة على أداء أجهزة ومؤسسات الدولة ذات العلاقة بحقوق الإنسان.
6. عدم منح الحصانات القانونية والقضائية لمنتهكي حقوق الإنسان.
7. إدراج مفاهيم حقوق الإنسان في مناهج التعليم العام بكافة مراحله ومستوياته,بما في ذلك مؤسسات ومناهج التعليم الشرطية والعسكرية بمختلف مستوياتها.
8. التدريب والتأهيل المستمر لكافة العاملين في المؤسسات والأجهزة العسكرية والأمنية والشرطية والقضائية على كيفية التعامل مع حقوق الإنسان, والتوعية بأهمية حمايتها واحترامها وكيفية التعامل معها.
9. تشجيع منظمات المجتمع المدني على متابعة ورصد انتهاكات حقوق الإنسان وكشفها ورفع الدعاوى القضائية بشأنها.
10. إيجاد ودعم مؤسسات مدنية تدافع عن حقوق الإنسان وتساعد الضحايا في شتى المجالات.
11. إعادة هيكلة ودمج الجيش بما يكفل حياديته وعدم استخدام المؤسسة العسكرية في غير الغرض الذي وجدت من أجله والمتمثل في الدفاع عن إقليم اليمن وسيادته.
وبتحقيق إصلاح المنظومة القانونية والمؤسسية في مجتمعات الصراع وما بعد الصراع يتعزز مبدأ احترام سيادة القانون ويحتكم الجميع إلى القانون بدلا من الاحتكام إلى القوة والعنف, وهو ما يؤدي إلى احترام حقوق الإنسان, وبالتالي, التقليل من نسبة انتهاكاتها وبالتالي, يعم الأمن والسلم الاجتماعي في تلك المجتمعات, ويتحقق لها الأمن والاستقرار.
ثالثاً : تطبيق العدالة الانتقالية ومعوقات التطبيق
يقع على عاتق الدولة تطبيق العدالة الانتقالية بكافة أجهزتها المتعلقة بإنفاذ القانون وبالتعامل المباشر وغير المباشر مع المواطنين, فالعدالة الانتقالية قد تتم في إطار قانون أو مرسوم أو قرار وبالتالي, فإن السلطة التنفيذية هي المعنية والمختصة بتطبيق هذا القانون أو المرسوم أو القرار. غير تطبيق العدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع وما بعد الصراع كثيرا ما يواجه العديد من المعوقات التي تعرقل عملية تطبيقها وتمنع أو على أقل تقدير تعرقل سيرها وتحد من تحقيق أهدافها, وعلى مدى ما يقارب النصف قرن من الزمان وفي أكثر من (30) بلداً خاضت تجارب تطبيق العدالة الانتقالية، لم تصل كل تلك التجارب إلى تطبيق كامل وحقيقي لمفهوم وأهداف العدالة الانتقالية, خاصة ما يتعلق بالجانب الجنائي وملاحقة منتهكي حقوق الإنسان, ومن خلال الاطلاع على تلك التجارب وجدنا أن أهم معوقات العدالة الانتقالية تتمحور حول معوق رئيس يتمثل في: محاولات منتهكي حقوق الإنسان في الإفلات من العقاب, إضافة إلى معوقات سياسية, وقانونية, واقتصادية, مع اختلاف في توفرها كلها أو بعضها من بلد إلى آخر. وسنتحدث عن كل منها بقدر من التفصيل.
1. محاولات الإفلات من العقاب ((Punishment Escapement Attempt :
تقوم فلسفة القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني على مبدأ راسخ صريح وواضح, مفاده أن العدالة تقتضي معاقبة منتهكي حقوق الإنسان، وأنه لا أحد يفلت من العقاب لأي اعتبار كان, كالحصانات القانونية أو الاعتبارات السياسية أو الصفات الرسمية أو المكانة الاجتماعية لمنتهكي حقوق الإنسان, وهذا المبدأ لم يعد محل جدال أو نقاش أو تفاوض, فقد أرسته وأكدت عليه نصوص قانونية ملزمة في وثائق القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
وعلى سبيل المثال : ينص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية, على أن يطبق نظام روما الأساسي على جميع الأشخاص بصورة متساوية دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية, كما أن الصفة الرسمية لرئيس الدولة أو الحكومة أو عضو في الحكومة أو البرلمان أو ممثلا منتخبا أو موظفا حكوميا لا تعفيه بأي حال من الأحوال من المسئولية الجنائية, بل ولا تعد تلك الصفات والمناصب الرسمية سببا لتخفيف العقوبة .
وعادة ما تتم محاولات إفلات منتهكي حقوق الإنسان من العقاب من قبل الأشخاص الذين يمثلون قمة الهرم في الأنظمة السياسية الحاكمة ويعتلون المناصب القيادية العليا في الدولة, والذين يخوضون غمار الصراعات ويمارسون الانتهاكات.
وعادة ما تتم تلك الانتهاكات والممارسات الغير إنسانية, كالقتل الفردي والجماعي والاعتقال والإخفاء القسري ، والتعذيب والتدمير للممتلكات وقصف المدن والأحياء والقرى بإشرافهم وإدارتهم وأحيانا كثيرة بأوامر منهم.
وعندما تكون السلطة لا تزال بأيد أولئك الأشخاص أثناء الصراعات, وبما لهم من قوة وسطوة سياسية وعسكرية ومادية وقانونية, تراهم يسارعون إلى تحصين أنفسهم بوسائل متنوعة ومتعددة, سعيا منهم لتطهير سجلهم الإجرامي, وفي الوقت ذاته ليفلتوا في المستقبل من المساءلة والعقاب عن تلكم الانتهاكات.
وصور الإفلات من العقاب تتخذ أشكالا عديدة, تختلف من بلد إلى بلد, ومن زعامات وشخصيات سياسية إلى أخرى, فأحيانا, تتم بشكل مراسيم ملكية, أو قرارات وأوامر رئاسية, وأحيانا, تصدر بشكل قوانين من المجالس النيابية.
وفي كل الحالات – بالطبع - تصدر تلك القرارات والمراسيم والقوانين وفقا لمرجعيات وأطر قانونية معدة سلفا(*), وكلها تفيد إما العفو الخاص أو الشامل أو عدم الملاحقة القانونية لأشخاص أو أجهزة في الدولة جراء ما حصل من أحداث أو صراعات في فترات معينة. بل, تظهر تلك القرارات والمراسيم والقوانين بعد ذلك على أنها منَّة ومكرمة تفضل بها أولئك القادة على شعوبهم, رغم أنها وارت خلفها جرائمهم ومآسيهم الإنسانية في حقوق شعوبهم.
وقد تتم محاولات الإفلات من العقاب بعد إقصاء منتهكي حقوق الإنسان من مناصبهم القيادية, فيعملون على افتعال الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية بغرض إرباك الدولة الانتقالية, بما يجعلها غير قادرة على ملاحقتهم أو معاقبتهم, لتظل الدولة تركز جهودها على معالجة تلك الاختلالات وتوفير مقومات الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي, وعلى مجرد توفير الخدمات الأساسية للمواطنين.
كما قد تتم محاولات الإفلات من العقاب بصورة غير مباشرة, عن طريق التوافق السياسي بين الأطراف المتصارعة التي اشتركت في ممارسة الانتهاكات أثنا الصراع الذي دار بينها, وعندما لا يكون في الصراع لا غالب ولا مغلوب, تدخل الأطراف في تسوية سياسية توافقية, وبالتالي, لا يتمكن طرف من مساءلة أو محاسبة طرف آخر, ويصبح ضحايا تلك الصراعات ضحايا جدد, لأنهم لن يجدوا في ذلك الوقت من ينصفهم ممن ظلمهم وانتهك حقوقهم, لأن تلك الأطراف التي تصارعت وانتهكت حقوق الإنسان أصبحت هي الخصم والحكم في ذات الوقت, وهنا لا مجال لتحقيق العدالة.
ولذا, فإن مسألة إفلات منتهكي حقوق الإنسان من العقاب تعد أكبر وأهم التحديات التي تواجه تطبيق العدالة الانتقالية في مجتمعات الصراعات وما بعد الصراعات، ومن ثم فأغلب معوقات العدالة الانتقالية الأخرى تندرج تحت هذا التحدي الكبير وتتفرع عنه, وهو ما أظهر تجارب العدالة الانتقالية التي شهدها العالم منذ عقود تبدو على أنها قد أخفقت في تحقيق أهدافها وغاياتها.

2- المعوقات السياسيةPolitics Obstacles) ) :
تبرز المعوقات السياسية أثناء وبعد فترات التحول والانتقال السياسي في صور ثلاث:
الصورة الأولى : توازن الضعف (Balance weakness)
في بعض الصراعات قد لا يستطيع طرف التغلب على طرف أو إقصاءه, وهنا تظهر معضلة تطبيق العدالة الانتقالية, حيث تضطر الأطراف المتصارعة إلى الدخول في تسويات سياسية تمكنها من تحقيق قدر من التوافق السياسي والتعايش السلمي الذي قد يفضي إلى تقاسم السلطة, وبهذه التسوية تكون الأطراف المتصارعة التي سببت الأزمات, ودارت بينها الصراعات التي مورست خلالها العديد من انتهاكات حقوق الإنسان, قد دخلت في مرحلة سياسية توافقية جديدة, وبالتالي, فإن تلك الأطراف لن تعمل على اتخاذ الإجراءات والخطوات اللازمة لتحقيق العدالة الانتقالية, ولن تحاسب وتعاقب بعضها البعض, أو تحمل نفسها مسئولية ما جرى من صراعات وانتهاكات, وهو ما يعرقل تطبيق أي شكل من أشكال العدالة الانتقالية.
الصورة الثانية : الصفيح الساخن (The Hot Plate)
قد يفضي الصراع إلى تغلب طرف صراع على طرف آخر وينفرد بالسلطة, وهنا أيضا يظهر معوق آخر من معوقات تطبيق العدالة الانتقالية, يتمثل في عدم قدرة الطرف المنتصر أو الحاكم على فرض سيادة القانون وتطبيق العدالة الانتقالية بالشكل المطلوب, حيث أن الطرف أو الأطراف المهزومة تعمل على إثارة القلاقل والمشاكل هنا وهناك, وتعمل على إرباك السلطة الجديدة سعيا منها إلى إفشالها وعرقلة مساعيها وجهودها, خاصة تلك الجهود الرامية إلى تحقيق العدالة الانتقالية, خوفا من تلك الأطراف في أن تطالها يد العدالة. وبالتالي, تعمل ليل نهار وبكل ما أوتيت من وسائل وإمكانات لإثارة المشاكل الأمنية والسياسية والخدمية في أنحاء متفرقة من البلاد, وهو ما يجعل أوضاع البلاد تظل في حالة توتر مستمر. وهنا يصعب على السلطة الانتقالية تطبيق العدالة الانتقالية الرامية إلى تحقيق العدل والإنصاف والمساءلة لانشغالها وانحصار عملها في مجرد العمل على تهدئة تلك الأوضاع الأمنية والسياسية القلقة والمتوترة, ومحاول توفير الخدمات الأساسية للمجتمع.
الصورة الثالثة : التوافق السياسيPolitics Harmony) )
في هذه الصورة تتوصل الأطراف المتصارعة - سواء كانت حاكمة أو خرجت من اللعبة السياسية - إلى تسوية من نوع آخر, تتمثل في الدخول في مرحلة توافق سياسي يقوم على تقاسم السلطة, والاتفاق على تطبيق نسبي أو جزئي للعدالة الانتقالية, خاصة ما يتعلق بوقف إطلاق النار, وتحقيق الاستقرار السياسي والأمني, وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين, وإجراء المصالحة, دون أن يكون هناك مجالا لتحقيق الجزء الآخر من العدالة الانتقالية, المتمثل في المسائلة والمحاكمة لمنتهكي حقوق الإنسان, بمعنى أوضح, يتفق الأطراف على تحقيق عدالة انتقالية تصالحية غير جنائية.
وفي كل هذه الصور, يظل تطبيق العدالة الانتقالية قاصرا, ولم يصل إلى مستواه المطلوب, ولم يتحقق الإنصاف الحقيقي للضحايا.

3- المعوقات القانونيةLegal Obstacles) ) :
تتسم مجتمعات الصراع وما بعد الصراع, بأنها ليس لديها أصلا الوعي القانوني الذي يجعلها تُطبق مبدأ سيادة القانون, وليس لديها المنظومة القانونية المتكاملة التي تحد وتمنع انتهاكات حقوق الإنسان, بل وليس لديها الوعي الكامل بمفاهيم حقوق الإنسان، ولذا, فهي لا تحترم تلك الحقوق ولا تدرك أهمية حمايتها.
وبالتالي, فلا غرابة بعد ذلك أن الأنظمة السياسية في تلك المجتمعات تصدر قوانين وقرارات تمنح السلطات الحاكمة صلاحيات واسعة تمكنها من ممارسة القمع والاضطهاد وانتهاك حقوق الإنسان وكبت الحريات وغمط الحقوق.. كما تعطي سلطات واسعة للأجهزة الأمنية والعسكرية لممارسة أفعال تعد انتهاكات لحقوق الإنسان ولا تجرم تلك الانتهاكات أو تعاقب عليها متى ارتكبت من قبل تلك الأجهزة.
من هنا يظهر العائق القانوني, باعتبار أن تلك القوانين لا تحمي حقوق الإنسان ولا تحاسب منتهكيها, وبالتالي, فإن تطبيق العدالة الانتقالية في تلك المجتمعات يتطلب إعادة النظر في المنظومة القانونية برمتها, بما يعزز ويحمي حقوق الإنسان, وفي الوقت ذاته يحد ويقيد من الصلاحيات المطلقة لتلك السلطات, ويجعل أعمالها وتصرفاتها محكومة وفقا للقانون فقط.
ومن جانب آخر, فإن الصلاحيات المطلقة التي تعطى للحكام في تلك المجتمعات تمكنهم من إصدار قوانين وقرارات ومراسيم العفو الخاص والعفو العام والحصانات القانونية التي تحميهم وتحصنهم ضد أي ملاحقة قانونية وقضائية على انتهاكات حقوق الإنسان , وهو ما يزيد من فرص الإفلات من العقاب وفي الوقت ذاته يشجع على ارتكاب المزيد من الانتهاكات.
ومن هنا, فإن محاولة تطبيق العدالة الانتقالية في ظل غياب منظومة قانونية متكاملة تحمي حقوق الإنسان وتحاسب منتهكيها وتحد من الصلاحيات المطلقة للزعماء والقادة, تواجه كثيرا من الصعوبات, إذا لم يتم البدء في إصلاح المنظومة القانونية والمؤسسية برمتها.
4- المعوقات الاقتصادية والأمنيةEconomics and Securities Obstacles) ) :
من المعروف أن مجتمعات الصراعات وما بعد الصراعات هي مجتمعات تعاني شحت الموارد الاقتصادية وتدني مستوى دخل الفرد وانتشار الأمية والفقر, ناهيك عن استشراء ظاهرة الفساد المالي, وسوء الإدارة, مما يجعلها تعاني حالة من الاضطرابات المستمرة, وعدم استقرار في شتى المجالات, وبالتالي, تصبح بؤرا للصراعات والنزاعات التي لا تنتهي.
ونظرا لانتشار وتوسع رقعة الفساد في تلك المجتمعات, وعدم وجود الأنظمة القانونية التي تحد من الصلاحيات الواسعة لتلك السلطات, وتراقب أدائها وتحاسبها, فإن السلطات الحاكمة تعمل على خلق قوى اقتصادية بوسائل مختلفة, تدخل معها في شراكات مالية أو تعقد معها اتفاقات تمكنها من الحصول على إتاوات أو نسب مالية من صفقاتها واستثماراتها, بغض النظر بعد ذلك عما إذا كانت صفقات واستثمارات مشروعة أم غير مشروعة.
وفي الحقيقة أن تلك القوى الاقتصادية لا تعمل على دعم الاستثمار الحقيقي ودعم الاقتصاد الوطني, بل هي تضر بهما, كون تلك القوى أصلا نشأت وتعيش متطفلة على الدولة, وتعتمد في الكثير من صفقاتها على موارد الدولة, وتمارس أعمال غسل الأموال العامة, مستغلة علاقاتها النفعية المتبادلة بالأنظمة السياسية التي تغض الطرف عن ممارسات تلك القوى المضرة بالاقتصاد الوطني حفاظا على مصالحهما المتبادلة.
هذه القوى الاقتصادية تظل قائمة ومستمرة أثناء وبعد الفترة الانتقالية, وبعد إقصاء أو تغيير نظام الحكم السابق, وبالتالي, تظل هذه القوى تعمل منفردة أو بالتنسيق مع النظام السابق لخلق التوترات الاقتصادية, وإثارة المشاكل الاقتصادية والأمنية المتعلقة بالمواطن مثل: عدم توفير بعض الخدمات, ورفع أسعار بعض السلع, وإخفاء أو احتكار سلع أخرى.
بل ويمكن أن تدعم بعض العناصر والتشكيلات المسلحة لإثارة المشاكل الأمنية هنا وهناك لإرباك السلطة الحاكمة الجديدة أمنيا واقتصاديا. سعيا من تلك القوى لإبقاء وضعها السابق على ما هو عليه حفاظا على مصالحها, ومن جانب آخر, محاولة منها لعدم اتخاذ الحكومة لإجراءات قانونية, مثل إجراءات العدالة الانتقالية التي تُخضع تلك القوى للمساءلة والعقاب.
وبالتالي, فإن خلق تلك القوى لأجواء التوتر الاقتصادي والأمني سيكلف الدولة أعباء مالية إضافية لمواجهة تلك التحديات فوق تلك الأعباء التي تواجهها بسبب الصراع والتحول, وهو ما يجعل الحكومة الانتقالية تتردد في تطبيق إجراءات العدالة الانتقالية - خاصة جانبها الجنائي المتمثل في ملاحقة المنتهكين ومحاكمتهم ومعاقبتهم - إلى حين استقرار الأوضاع الاقتصادية والأمنية.
رابعاً : تطبيق العدالة الانتقالية ومعوقات تطبيقها في اليمن
تعتبر اليمن من الدول التي خاضت أنظمتها السياسية صراعات سياسية قوية على مدى عقود عديدة, ما جعل عدم الاستقرار السياسي فيها يعد سمة من سمات أنظمة الحكم المتعاقبة على مدى التاريخ الوسيط والحديث.
ورغم المآسي الإنسانية الكبيرة التي خلفتها أحداث فبراير 2011م، وما قبلها من أحداث, أدت إلى إزهاق أرواح الأبرياء وإراقة الدماء, والتي نتج عنها آلاف القتلى والجرحى والمعوقين والمشردين, وتدمير الممتلكات العامة والخاصة, ناهيك عن المعاناة النفسية التي عاناها ويعانيها الضحايا وأسرهم حتى اليوم.
وباعتبار اليمن كمثيلاتها من الدول التي خاضت تجربة العدالة الانتقالية, فسنتحدث في هذا المطلب عن أهم المعوقات التي واجهت تطبيق العدالة الانتقالية فيها والمتمثلة في محاولات الإفلات من العقاب بصورتيها المتمثلتين في الحصانة القانونية والتوافق السياسي, وهو ما سنتناوله في البند (1)، وفي البند (2) نحلل الأسانيد القانونية التي استندت عليها تلك المعوقات.
1- معوقات تطبيق العدالة الانتقالية في اليمن The Application Obstacles Of The Transitional Justice in Yemen
في بلد كاليمن الذي يعد من أقل دول العالم نموا, ويعاني مشاكل سياسية واقتصادية جمة أبرزها: الفقر, البطالة, تدني مستوى دخل الفرد, الأمية, تدني مستوى الخدمات الصحية وسائر الخدمات الأخرى, وبين كل ذلك عدم تطبيق النظام والقانون, الذي يحمي وينظم حقوق وواجبات الأفراد والمؤسسات, فمن الطبيعي بعد ذلك, أن تكون المعوقات السياسية والقانونية والاقتصادية في مقدمة معوقات تطبيق العدالة الانتقالية.
ولن نتطرق لتلك المعوقات باعتبارها من القضايا المزمنة والنشطة في اليمن والمعروفة للكافة بالضرورة بأنها تعيق التنمية الشاملة برمتها, وقد أشبعت بحثا ودراسة, وتتخذ حيالها العديد من المعالجات بين الحين والآخر, وقد سبق الحديث عنها.
لكننا هنا سنركز على معوقات جديدة استحدثت بموجب اتفاق, بغرض الهروب من تطبيق العدالة الانتقالية, خاصة الجانب القضائي منها, القائم على المساءلة والمحاكمة والعقاب لمنتهكي حقوق الإنسان. وتتمثل هذه المعوقات الجديدة في: محاولة الإفلات من العقاب بصورتيها المتمثلتين في: قانون الحصانة القانونية رقم (1) لسنة2012م، (عائق قانوني), والتوافق السياسي (عائق سياسي). وسنتحدث عنها بقدر من التفصيل.
2- محاولات الإفلات من العقاب (Punishment Escapement Attempt):
بعد أن وصلت الأوضاع السياسية في اليمن إلى أوجها وانفجرت في فبراير 2011م، لتشهد الساحة اليمنية خلالها صراعا مسلحا على أشده, بات واضحا أن الرئيس السابق ونظامه يمثلون الحلقة الأضعف في الصراع, وأنه لم يعد لديهم سوى خيارين, إما الإصرار على البقاء في السلطة وعدم التخلي عنها, والنتيجة الحتمية هي الحرب الأهلية الشاملة التي ستكون نتيجتها محسومة سلفا, وهي خسارة الرئيس السابق ونظامه, وتحمله تبعات الفظائع التي ستخلفها الحرب, ولا أدل على ذلك مما حصل لسابقيه – القذافي مثلا - وإما التخلي عن السلطة, رغم العواقب التي تنتظرهم محليا ودوليا, والتي في مقدمتها الملاحقة القضائية, التي كانت مطلبا للشباب وأحزاب المعارضة الثائرة على ذلك النظام.
إلا أن الرئيس السابق اختار أهون الضررين, وهو الانسحاب السلمي من اللعبة السياسية مقابل حصوله على ضمانات قانونية بعدم الملاحقة القضائية, وفي الوقت ذاته استخدام التكتيك والمناورة السياسية بعد ذلك لصرف الأنظار عنه وعن نظامه بالظهور من جديد بمظهر الزعيم الوطني.
وهنا ظهرت صورتين للإفلات من العقاب هما: الحصانة القانونية, والتوافق السياسي. وسنتحدث عنهما بقدر من التفصيل.
الصورة الأولى : الحصانة القانونية (Legal Immunity)
نظرا لعدم قدرة طرف على حسم الموقف سياسياً أو عسكرياً ظلت الأطراف المتصارعة تراوح وتناور مكانها, ودخلت مرحلة توازن الضعف (لا غالب ولا مغلوب).
ونظرا للضغوط الإقليمية والدولية على الرئيس السابق ونظامه, فقد اتجه الجميع نحو التسوية السياسية السلمية للأزمة مهما كان الثمن لتلك التسوية.
وتحت إصرار الرئيس السابق على إيجاد ضمانات قانونية مقابل تخليه عن السلطة سلميا, جاءت المبادرة الخليجية لتلبي ذلك المطلب, ومثلت مخرجا من الأزمة ونوعا من التسوية السياسية السلمية, وكان محتوى ما تضمنته المبادرة إجمالا, هو تخلي الرئيس صالح عن السلطة, مقابل منحه حصانة قانونية من الملاحقة القضائية .
وعُززت هذه التسوية الخليجية بتسوية أممية من منظمة الأمم المتحدة أطلق عليها "آلية تنفيذ العملية الانتقالية في اليمن وفقا لمبادرة مجلس التعاون", وتم التوقيع عليهما في الرياض في 23 نوفمبر 2011م، من قبل أطراف الأزمة.
وكجزء من تنفيذ تلك التسوية السلمية الخليجية والأممية, سارع البرلمان اليمني إلى إصدار قانون الحصانة رقم (1) لسنة 2012م, الذي بموجبه أعفي الرئيس السابق من الملاحقة القانونية والقضائية, وأعفي من عملوا معه من الملاحقة الجنائية فيما يتصل بأعمال ذات دوافع سياسية قاموا بها أثناء أدائهم لمهامهم الرسمية .
وبالتالي, فقد مثل هذا القانون أهم وأوضح صورة من صور الإفلات من العقاب, وعائقا من عوائق تطبيق العدالة الانتقالية في اليمن.
الصورة الثانية : التوافق السياسي(Politically Harmony)
بعد صراع مرير بين الحزب الحاكم(المؤتمر الشعبي العام)وأحزاب اللقاء المشترك- أقوى أحزاب المعارضة - أفضى في نهاية المطاف إلى مواجهات دامية انتهكت فيها حقوق الإنسان, وأزهقت الأرواح, وأريقت الدماء, ودمرت الكثير من المنشآت العامة والخاصة, وتعطلت مصالح الناس, لم يستطع طرف التغلب على الآخر أو إقصائه, رغم أن كل منهما كان يتمتع بقدر من القوة المادية والشعبية التي لا يستهان بها.
وبوصول الطرفان المتصارعان مرحلة (توازن الضعف)السياسي, جعلهما يعلنان – ضمنا - عدم قدرة أحدهما على هزيمة أو إقصاء الآخر, فكان التوافق السياسي بينهما هو المخرج لتسوية الأزمة وفقا للمبادرة الخليجية وآلية تنفيذ العملية الانتقالية في اليمن – اللتان تحدثنا عنهما آنفا – وبموجبهما تم تقاسم السلطة مناصفة بين المؤتمر الشعبي العام وأحزاب اللقاء المشترك, وأسندت رئاسة الحكومة إلى أحزاب اللقاء المشترك.
وبدخول الطرفين المتصارعين في اليمن في اتفاق سياسي, وتقاسمهما السلطة مناصفة, بات من الواضح أن من كانوا سببا في الصراع, وسببا في إراقة الدماء وانتهاك حقوق الإنسان, لم يعد هناك مجالا لمسائلتهم ومحاسبتهم, فقد أصبحوا جميعا في السلطة, وأصبحوا الخصم والحكم!؟.
وبذلك التوافق السياسي أفرغت الساحة السياسة اليمنية من المعارضة, ولم يعد هنالك طرفا آخرا بمقدوره محاسبة تلك الأطراف السياسية أو تحميلها مسئولية الانتهاكات التي حدثت. وكنوع من التخفيف من ردود الأفعال الشعبية والحقوقية, بادرت الحكومة إلى الإعلان عن إجراء مصالحة وطنية سياسية عبر مشروع قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية الذي تبنته, وعدم تطبيق عدالة جنائية بصريح نص مشروع القانون.
وهنا ظهر أن التوافق السياسي في اليمن بين الطرفين المتصارعين, قد مثل عائقا من عوائق تطبيق العدالة الانتقالية, وصورة ثانية لمحاولة الطرفين المتصارعين الإفلات من العقاب وطمس سجلهما الحافل بالانتهاكات.
ويمكن القول أن الدولة اليمنية وكافة أجهزتها المعول عليها في تطبيق العدالة الانتقالية في اليمن غير قادرة اليوم في المرحلة الانتقالية الحالية على تطبيق حقيقي وشامل لمفهوم العدالة الانتقالية, حيث لا يملك أحد أطراف التوافق السياسي أن يقوم بهذه المهمة, حيث أنهم الخصم والحكم في قضايا انتهاكات حقوق الإنسان, ومن غير المنطقي والعادل أن توكل إليهم مهمة إنصاف ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي هم سبب في حدوثها وفي ارتكابها.

التوصيات :
إزالة المعوقات واتخاذ الإجراءات التنفيذية للعدالة الانتقالية, وفي مقدمتها :
‌أ. ضرورة تقديم الدولة والأطراف التي سببت الصراعات اعتذارا رسميا للشعب عن كل ما حصل منهم من تجاوزات وانتهاكات في حق الشعب اليمني جراء صراعاتهم السياسية المتعاقبة.
‌ب. البدء في فتح تحقيق شامل ونزيه ومستقل ومحايد, حول كافة الانتهاكات والتجاوزات التي حدثت في اليمن, من خلال لجان متخصصة, بحيث تشكل لجنة تحقيق لكل فترة صراع على حدة. والأخذ بالتوصيات والمقترحات الواردة في المطلب... بشأن تشكيل وعمل لجان التحقيق.
‌ج. كشف الحقائق عن تلك الانتهاكات للشعب, وتحديد الجهات والأفراد المسئولة عنها, وفي مقدمتها الكشف عن حالات القتل المتعمد والاختفاء ألقسري, والتدمير المتعمد للممتلكات العامة والخاصة, وأية انتهاكات مجرَّمة وفقا للقانون الوطني والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدول الإنساني.
‌د. القيام بالإصلاحات المؤسسية والقانونية المتعلقة بحقوق الإنسان لضمان عدم انتهاك تلك الحقوق في المستقبل.
‌ه. عدم اتخاذ أية إجراءات باسم العدالة الانتقالية من شأنها مصادرة الحقوق القانونية المكفولة للضحايا في اللجوء إلى القضاء لاستيفاء حقوقهم المدنية المنصوص عليها قانونا والمتعلقة بالقصاص والديات والأروش.
‌و. إيجاد برامج واضحة ومحددة وفاعلة لتعويض الضحايا وجبر أضرارهم.
‌ز. التوسط لإجراء المصالحة بين الضحايا ومنتهكي حقوقهم.
‌ح. عدم صحة أية إجراءات تصالح أو تنازل أو عفو بدون حضور وموافقة الضحايا أو ذويهم موافقة صريحة صحيحة.
‌ط. تحديد مسئوليات الجهات ذات العلاقة عن الانتهاكات التي تمت ولم يصل التحقيق إلى معرفة وتحديد مرتكبيها.
‌ي. الاستفادة من القواعد والأعراف والأسلاف القبلية المؤثرة في المجتمع وتوظيفها بشكل مناسب, ليتم من خلالها إجراء المصالحة الوطنية الشاملة.

دعماً لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل أطلقت وزارة حقوق الإنسان:

 ــ وثيقة رقم (1) حقوق الإنسان في مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل:عبارة عن دراسة تحليلية تُبرزُ بشكلٍ خاص وَمُركز سياق حقوق الإنسان ضمن القرارات النهائية لمؤتمر الحوار الوطني ـ في إطارٍ يُمكن الإستناد اليه كمرجعية لمضامين حقوق الإنسان بأطرها المؤسسية وَالقانونية والقضايا والإتجاهات العامة في سياق نصوص مخرجات الحوار وَالفئات ذات الإرتباط وَمكون الشراكة مع مختلف القطاعات الفاعلة في المجتمع، كما تُقدم الوثيقة رؤية لأولويات الحقوق وَالحريات في الإطار الدستوري المرتقب. 

 ــ وثيقة رقم (2) الإطار الدستوري للحقوق وَالحريات: عبارة عن تصور نوعي لإطار حقوق الإنسان وَالحريات العامة ويتضمن الإطار المقترح مجموعة الحقوق الأساسية لمختلف الفئات ووسائل وضمانات إحترامها وتعزيزها وقد تم تخصيص هذا الإصدار في إطار الدعم الفني للجنة صياغة الدستور. إقرأ المزيد

 النسخة العربية

 النسخة العربية 

 English version  English version

 

 

سجل في نشرتنا البريدية، وكن أول من تصله آخر الأخبار
الجمهورية اليمنية - وزارة حقوق الإنسان
جميع الحقوق من صور و نصوص و مواد خبرية محفوظة لوزارة حقوق الإنسان © 2013